BELADINEWS.MA
محسن الأكرمين.
ليس من الأسطورة أن نحكي بأن مدينة مكناس كانت منشأ انعقاد (سوق عام). هذا السوق الذي كان ينعقد بعد حصاد فلاحي مليح، وفيه تُعرض جميع السلع، وحتى قضايا الساكنة والأحواز المطالبة بالعادلة المجالية. (سوق عام) تَلهو الساكنة فيه بالفرح والسعادة من (جُيُوبِهَا) وبلا بذخ ولا ترف مُفرط في استهلاك المال العام ومال الدولة!!!
وبعد التحولات الاجتماعية المكهربة التي صنعها المستعمر، وأصابت المدينة بالنكوص عن عُرْفِ المداومة على عقد (سوق عام) مكناس، تم تجاوز إحياء (سوق الكبير السنوي)، والذي كان موضع انعقاده (سوق الأربعاء القديم بسيدي اسعيد حتى ساحة ضريح الشيخ الكامل)، وتعويض بنمط آخر (سوق عام) المهرجانات، والوفاء على التمرير بنفس المقاييس، التي تُبعد الساكنة طبعا عن مطالبها العادلة في التحرر وبناء مجتمع الثقافة النظيفة. وللملاحظة المركزية كان على مجلس جماعة مكناس تثمين فضاء (سوق الأربعاء) بدل تفويته للخواص ومستثمري (الملاسة)!!!
مهرجانات مكناس تتعدد بالتنوع وتتكرر مثل (سوق عام)، وتتشابه في الإخراج والداعمين المؤسساتيين، ولكل مهرجان كفيل يُداوم ويُناضل على الإحياء سنويا، وله وفاء المقاييس والوجوه المعتمدة، حتى أن بعضا من تلك المهرجانات باتت توازي مواسم أولياء الله الصالحين في حضور عدد من المريدين الأوفياء للقبة الخضراء والتي تدعم (النشاط) و(الإقامة) المستريحة.
أستسمح من (سوق عام) مكناس، إن تجنيت على المصطلح بالتمطيط والإزاحة والإقحام، وربطته ببعض من مهرجانات المدينة، والتي تتكرر بنفس الظهور والوجوه، وحتى بنفس رابطات العنق الأنيقة. قد نقول: أن مدينة مكناس تعيش أزمة ثقافية وفنية (كملوا من عندكم الأزمات الممتدة…)، ولن تقدر مهرجانات (سوق عام) من تلميع صورتها المعيارية التنافسية. هنا تكمن المشكلة، لأننا نداوم على التصفيق، ولا نقدر على سماع نقد إيجابي يُجنب المال العام المحلي والجهوي من التبذير بمرجعية دعم ثقافة الريع (حلال).
فرصة تغيير مهرجانات (سوق عام)، تبدو للمتتبع بمكناس ممكنة الوجود، على أساس متابعة مسارات صرف المال الداعم لتلك المهرجانات، وحضور المحاسبة والمساءلة من خلال: أين يصرف المال العام في تلك المهرجانات؟ وأين قد يؤكل المال العام ويشرب؟ ومن يستفيد منه بذكر سلاسل التخطيط والإنتاج والإخراج والغناء والمنصات…؟
فإذا كانت الدولة عازمة على فتح باب الحكامة على مصراعيه، فلتكن البدايات من مهرجانات (سوق عام) بمكناس، والتي تُراكم العد الكمي للدورات وبلا أثر واعد على ثقافة المدينة، ولا حتى نوعية على التنمية الحقيقية. بحق سُررنا من قرارات وزارة الداخلية على تجنب (كل ما من شأنه…) أن يكون تدخلا استباقيا في التسويق لوجوه انتخابية في نماذج من مهرجانات (سوق عام)، لأن الأمل في التغيير الإيجابي يقتضي سد ذرائع سماسرة الانتخابات عبر اقتحام بوابة منصات الثقافة والفن، والجلوس في الصفوف الأمامية في زمن تمرير ملمح السياسة البديلة بذات المدينة.
اليوم، تَحول (سوق عام) في الذاكرة الشعبية بمكناس من فضاء للتجارة، إلى فضاء خفي لاستغلال المصالح بالعلاقات، وربط “الربح والفرجة” بالثقافة والفن. مهرجانات (سوق عام) وبلا نُسمي أحدا منها، باتت مناسبة لصرف المال العام كالتجارة و”تعقد الصفقات… وتتلون المعروضات بين الرخو والنظيف …”.
مهرجانات (سوق عام) بمكناس تعيش في أزمة تنظيمية سنوية، وغياب مرجعيات الأثر المؤشر. فهي لا تقوم على عُنْصري البساطة والعفوية وخدمة المدينة لا الأشخاص، بل على تجييش الفن للمساهمة في عمليات تنشيط (التويزة) للمال العام، وبروز “المصالح المتزاحمة” والتي يُفرج عن بعضها بالسماع والتداول بعد نهاية مهرجانات (سوق عام).
من حسن المقارنة أن (سوق عام) والمهرجانات ينعقدان مرة كل سنة. من صدق المقارنة فكل منهما يستند على” البائعين والمشترين بالتفاوض والمساومات البديلة …”. من المشاهد الراقية المُحزنة كذلك حضور” الوكلاء والوسطاء ” في المهرجانات، كما يحضر “السماسرة والبراحين والدلالين” في (سوق عام)، إنه تشابه في كسب الاسترزاق وبجميع الوسائل الممكنة!!!
مكناس تتعفف عن تكرار الذاكرة الشعبية بالنسيان، والتي قادتنا حتما نحو استحضار (سوق عام) الكبير، وبنفس طقوس وأجواء المهرجانات (الحديثة). مكناس تريد إنتاج (حبة الفهامة) التي تقيه من استهلاك نسخ من مهرجانات تكرر ذاتها بالنمطية والفذلكة. مكناس تريد من كفلاء المهرجانات احترام (قلة الفهامة) عندما نستهلك ولا ننتقد، ولما لا مدنا بسلع ثقافية وفنية تحترم خصوصياتنا كوصفة لدواء مكافحة (قلة الفهامة)، والتي لن تنهل بدا من البلاهة ولا من التفاهة. فالمدينة قد تطالب بمستحضر ثقافي لنسيان (قلة الفهامة)، والذي بحق لن يعفينا من أننا (فاهمين) بعضا من مشاكل مدينة مكناس، ومن أين تأتي؟ وأين يكمن الحل في سياسة التغيير؟





