BELADINEWS.MA
(الثلاثاء 14 شعبان 1447 الموافق ل 03 فبراير 2026)
باسم الله الرحمان الرحيم،
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المصطفى الأمين؛
السيد رئيس مجلس النواب المحترم؛
السيد رئيس مجلس المستشارين المحترم؛
السيدات والسادة النواب والمستشارون المحترمون؛
السيدات والسادة الوزراء المحترمون؛
السيدات والسادة ممثلو وسائل الإعلام والصحافة؛
تشرفت برفع التقرير السنوي المتعلق بأنشطة المجلس الأعلى للحسابات برسم الفترة 2024- 2025 إلى جلالة الملك نصره الله وأيده، بعد أن صادقت عليه غرفة المشورة بالمجلس في 11 نونبر 2025، طبقا لمقتضيات مدونة المحاكم المالية.
وبعد توجيه هذا التقرير إلى السادة رئيس الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان، ونشره بالجريدة الرسمية بتاريخ 23 يناير 2026، يسعدني أن أتقدم أمام المؤسسة التشريعية الموقرة بعرض عن أهم أعمال المجلس الأعلى للحسابات تطبيقا لأحكام دستور المملكة.
إن هذا اللقاء السنوي يعتبر محطة دستورية متميزة من حيث ترجمة المقتضيات الدستورية إلى واقع مؤسساتي وعملي، ويساهم في تفعيل الأدوار الرقابية للبرلمان ويجيب على تطلعات المواطنين ويطمئنهم إزاء العمل الجدي خدمة للصالح العام ويرسخ الثقة لديهم في مؤسسات الدولة.
حضرات السيدات والسادة النواب والمستشارين المحترمين؛
يقدم المجلس الأعلى للحسابات تقريره السنوي برسم 2024-2025 في ظرفية وطنية تتميز بمواصلة تنزيل الرؤى الملكية السامية الرامية إلى أن تشمل ثمار التقدم والتنمية كل المواطنين، في جميع مناطق وجهات المملكة، دون تمييز أو إقصاء.
كما يتزامن إصدار هذا التقرير مع التحول التاريخي الذي عرفته قضية الوحدة الوطنية. ومن الأكيد أن هذا التحول سيمنح زخما متجددا للدينامية التنموية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية، وسيفتح آفاقا استثمارية أرحب لإنجاز المزيد من البرامج والمشاريع لصالح المواطنين المغاربة وأشقائهم الأفارقة.
وكما قال جلالة الملك نصره الله في خطابه السامي تزامنا مع اعتماد مجلس الأمن للقرار رقم 2797/2025 “إننا نعيش مرحلة فاصلة، ومنعطفا حاسما، في تاريخ المغرب الحديث. فهناك ما قبل 31 أكتوبر 2025، وهناك ما بعده” انتهى النطق الملكي السامي.
هي إذن مرحلة جديدة يجب علينا جميعا أن نواجهها بكل جدية وتفان، كل في حدود مسؤولياته واختصاصاته وآليات التعاون فيما بيننا، وأن نتحلى على كافة المستويات بروح المسؤولية والتآزر ونكران الذات، وأن نسهم بفعالية ومثابرة في مسيرة النماء التي تعرفها بلادنا، تحت القيادة الرشيدة لمولانا صاحب الجلالة نصره الله وأيده.
ويأتي إصدار هذا التقرير السنوي في سياق خاص يميزه تنظيم انتخابات مجلس النواب خلال الأشهر القليلة القادمة، مع ما يستدعيه ذلك من تعبئة جماعية مسؤولة ومواطنة تكرس المكتسبات وتحرص على المصالح العليا لبلدنا، وهذا هو السبيل لتعزيز الثقة في العملية الانتخابية، وبالتالي تحصين المسار الديمقراطي لبلادنا.
كما توجد المحاكم المالية حاليا على بعد أقل من سنة من الانتهاء من تنزيل التوجهات الاستراتيجية برسم الفترة 2022-2026 والتي جعلت من الرفع من أثر أعمال المجلس الأعلى والمجالس الجهوية للحسابات هدفا رئيسيا لها. وقد تمكن المجلس بفضل انفتاحه على الممارسات الفضلى على الصعيد الدولي وكذا بفضل التعاون المثمر والجاد مع مختلف الأطراف ذات الصلة، ولا سيما السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، من تنزيل مختلف مكونات هذه التوجهات، من خلال برمجة موضوعية ومستقلة وهادفة لمختلف الأعمال الرقابية، تقوم على تحليل للمخاطر وإنصات مستمر ومتفاعل (Ecoute dynamique) مع انتظارات محيطها المؤسساتي. وقد أُنْجِز مؤخرا تقرير في إطار مشروع دولي بين مبادرة التنمية للإنتوساي (IDI) ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE) حول العوامل غير الرسمية المؤثرة في استقلالية الأجهزة العليا للرقابة، حيث نوه هذا التقرير بالنموذج المغربي، لا سيما من حيث إرساء آليات للتنسيق بين المجلس الأعلى للحسابات ومختلف المؤسسات داخل منظومة المساءلة من أجل توضيح الأدوار المؤسساتية للفاعلين وتحسين تبادل المعطيات والمعارف.
حضرات السيدات والسادة النواب والمستشارين المحترمين؛
يعد نشر التقرير السنوي الذي يصدره المجلس الأعلى للحسابات أيضا محطة مهمة لإبراز أعمال المجلس والمجالس الجهوية للحسابات. وهذا التقرير نتاج مهمات رقابية دقيقة وموثقة، تستند إلى أحكام الدستور وإلى مدونة المحاكم المالية وكذا إلى منهجية مهنية متطورة تتماشى مع المعايير الدولية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة، مع الحرص على الأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الوطنية والجهوية والمحلية، كما تقوم على تحليل عميق ومستقل يستحضر الظروف والإشكاليات الواقعية المحيطة بالتدبير العمومي ومستوى نضجه.
وقد اخترت هذه السنة في عرضي أمامكم أن أركز على محورين اثنين:
المحور الأول يستعرض جوانب من تجليات الأثر الفعلي لأعمال المحاكم المالية؛
المحور الثاني يتعلق بعرض أهم نتائج بعض الأعمال الرقابية ذات الصلة بالمجال الاجتماعي وبالتنمية الترابية.
وسأتطرق من خلال هذين المحورين لأهم العناصر، علما أن التقرير السنوي وكذا أهم محاوره الرئيسية باللغتين العربية والفرنسية متوفرة على الموقع الرسمي للمجلس الأعلى للحسابات، كما قمنا بإعداد كتيب سيوزع على السادة أعضاء البرلمان، يتكون من بطاقات تقنية وخطاطات أنفوغرافية، تشمل نتائج جميع الأعمال القضائية ومهمات المراقبة والتقييم التي أنجزها المجلس والمجالس الجهوية للحسابات، وذلك قصد مساعدة كافة مكونات المؤسسة التشريعية على ممارسة وظائفها الرقابية.
ضمن المحور الأول من هذا العرض، أود أن أتناول أهم الخلاصات المتعلقة بتجليات الأثر الفعلي لأعمال المحاكم المالية.
ويتعلق الأمر بداية بحصيلة الأنشطة القضائية التي تشمل مجالين: التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية، والتدقيق والبت في الحسابات.
وفي هذا الصدد، وقبل أن أعرض الحصيلة، أود التركيز على مجموعة من الجوانب المهمة المرتبطة بممارسة اختصاص التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية، لا سيما ونحن على مشارف استحقاقات انتخابية قادمة، وذلك قصد تدارك أي فهم غير سليم وغير موضوعي للجوانب المرتبطة بممارسة هذا الاختصاص، وبالتالي التنبيه إلى خطورة الاستغلال اللامسؤول لمخرجات أعمال المجلس والمجالس الجهوية للحسابات.
تتجلى المهام الأساسية للمحاكم المالية في الإسهام في تجويد تدبير الشأن العمومي والارتقاء بأداء المرافق والخدمات المقدمة للمواطنين وللفاعلين الاقتصاديين، وتتخذ، عند الاقتضاء، وكما نص على ذلك دستور المملكة، عقوبات عن كل إخلال بالقواعد السارية على العمليات المتعلقة بمداخيل ومصاريف الأجهزة الخاضعة لمراقبتها.
فعند رصد غرف المجلس القطاعية الخمس والمجالس الجهوية للحسابات، خلال إنجاز مهمات رقابية، لقرائن أفعال تستوجب إثارة المسؤولية، فإنها تسلك، عندئذ إعمالا لأحكام الدستور ومدونة المحاكم المالية، المساطر المنصوص عليها قانونا وفق مسار مضبوط وموثق، تؤطره عدة مبادئ تتجلى أساسا في إعمال المسطرة التواجهية واتخاذ القرارات بصفة جماعية، فضلا عن توثيق جميع قرائن الأفعال التي قد تستدعي التأديب المالي. وتحرص المحاكم المالية على تحليل دقيق للاختلالات باستجلاء أسبابها وتقييم مدى تكرارها وأثرها والضرر الناجم عنها وكذا الظروف والملابسات المحيطة قصد أخذها بعين الاعتبار، قبل اتخاذ قرارات بشأن قرائن الأفعال هاته.
وتراعي المحاكم المالية، أيضا، في ممارستها لاختصاص التأديب المالي منهجية تقوم على الموازنة ما بين كلفة المسطرة والرهانات المالية المتعلقة بالأفعال المكتشفة وتحرص على إعمال أدوارها الوقائية والبيداغوجية مع جميع المتدخلين وعلى استنفاد جميع الآليات المخولة لها قانونا، قبل سلوك مساطر داخل المجلس والمجالس الجهوية للحسابات في إطار التأديب المالي، أو إحالة الأمر على السلطة الإدارية المختصة لمباشرة مسطرة التأديب الإداري، أو الإحالة على رئاسة النيابة العامة إذا تعلق الأمر بقرائن أفعال تكتسي صبغة جنائية. فمثلا تحرص المحاكم المالية على إصدار توصيات هادفة بشأن النقائص المسجلة أو توجيه رسائل إلى الوزراء المعنيين إذا لم تَرْقَ هذه النقائص إلى قرائن أفعال تستدعي الإحالة على السلطات المختصة، أو قيام الرئيس الأول بتوجيه مذكرات استعجالية بشأن الملاحظات التي تكتسي طابعا عاما وتهم تدبير عدة أجهزة عمومية.
وفي هذا الصدد، سجل المجلس أن الإجراءات المتخذة من طرف العديد من الأجهزة العمومية، تفاعلا مع ملاحظات وتوصيات المحاكم المالية، وحتى قبل مباشرة مسطرة إثارة المسؤولية، مكنت من تحقيق أثر مالي يقدر بأكثر من 629 مليون درهم، تأتى أساسا من خلال:
• تحصيل ديون وواجبات وأتاوى مستحقة بقيمة إجمالية قدرها 278 مليون درهم؛
• ارتفاع منتوج بعض الرسوم والواجبات بمبلغ إجمالي ناهز 290 مليون درهم؛
• استرجاع مبالغ غير مستحقة أو زائدة عن تلك المستحقة أو مؤداة خطأ أو مؤداة على أسس خاطئة بمبلغ إجمالي قدره 9,5 مليون درهم؛
• تطبيق وتحصيل اقتطاعات وغرامات مالية في إطار صفقات عمومية أو في إطار عقود للتدبير المفوض بمبلغ 3,9 مليون درهم؛
• اتخاذ مجموعة من الأجهزة لإجراءات يتوقع أن تؤدي إلى تنمية مواردها المالية أو خفض تكاليفها بمبلغ إجمالي قدره 48 مليون درهم.
بخصوص طلبات رفع القضايا في مجال التأديب المالي، فقد توصلت النيابة العامة لدى المحاكم المالية، خلال الفترة الممتدة من فاتح يناير 2024 إلى غاية متم شتنبر 2025، بما مجموعه
111 طلبا. وقد شكلت النيابة العامة لدى هذه المحاكم المالية وهيئات هذه المحاكم المصدر الرئيسي لهذه الطلبات، سواء في إطار تداولها في نتائج التدقيق والتحقيق في الحسابات والملاحظات التي أسفرت عنها مهمات مراقبة التسيير، بما مجموعه 83 طلبا، أي بنسبة 75%. في حين لم تتجاوز الطلبات الصادرة عن السلطات الخارجية 28 طلبا، همت أساسا طلبا واحدا (01) رفعه وزير التجهيز والماء إلى الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات و27 طلبا رفعها وزير الداخلية إلى وكلاء الملك لدى المجالس الجهوية للحسابات، أي بنسبة 25% من مجموع طلبات رفع القضايا في ميدان التأديب المالي.
وفي سياق الحديث عن إحالة القضايا أمام المحاكم المالية في ميدان التأديب المالي، فإنه من الضروري وضعها في إطارها الموضوعي، الذي أراده لها الدستور، وتمييزها عن حالات الجريمة المالية التي يختص بالنظر فيها القضاء الجنائي. فالمخالفات التي تنظر فيها المحاكم المالية لا تعني وجود اختلاس أو تبديدا للمال العام ولا تمس نزاهة الأشخاص المعنيين، بل قد يتعلق الأمر، في عدة حالات، بأخطاء تدبيرية دون سوء نية، ناتجة عن التطبيق غير السليم للمقتضيات القانونية الجاري بها العمل أو بعدم احترام بعض القواعد والضوابط المسطرية لتدبير المال العام أو بالتقصير في واجب الإشراف، وهي جوانب لا ترقى إلى مستوى الجريمة المالية، فما بين عدم العقوبة والإحالة الجنائية يوجد التأديب المالي.
وبطبيعة الحال، عندما تقف غرف المجلس القطاعية والمجالس الجهوية للحسابات على قرائن أفعال تستوجب إحالة جنائية، فيتم دراستها دراسة موضوعية والتداول بشأنها من هيئات، قبل توجيهها للنيابة العامة لدى المحاكم المالية.
وفي إطار الحرص على إعمال مقاربة موضوعية لمباشرة مسطرة الإحالة من عدمها، أود أن أشير إلى أن النيابة العامة لدى المجلس الأعلى للحسابات، التي تتمتع باستقلالية وظيفية وإعمالا لسلطة الملاءمة التي تؤطر مهامها ضمن مسطرة التأديب المالي، قد قررت، خلال الفترة الممتدة من فاتح يناير 2024 إلى غاية متم شتنبر 2025، حفظ ما مجموعه 34 قضية وملفا سواء في مرحلة دراسة طلبات رفع القضايا أمام هذه المحاكم، أو في إطار تتبعها لسير أعمال التحقيق في القضايا الرائجة، وذلك من خلال إصدار مقررات بالحفظ معلّلة تم تبليغها إلى الجهات التي طلبت رفع القضايا المعنية. وبذلك بلغ إجمالي مقررات الحفظ التي أصدرتها النيابة العامة لدى المحاكم المالية ما مجموعه 132 مقررا بالحفظ، خلال الفترة الممتدة من فاتح يناير 2021 إلى غاية نهاية شتنبر 2025.
بالموازاة، أحال الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات على الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض- رئيس النيابة العامة، خلال الفترة الممتدة من فاتح يناير 2024 إلى غاية نهاية شتنبر 2025، ما مجموعه عشرون ملفا بشأن أفعال قد تستوجب عقوبة جنائية، همت 20 جهازا موزعا ما بين ستة (06) أجهزة عمومية تابعة للدولة و13 جماعة ترابية (0,8% من أصل 1.590 جماعة ترابية) وجمعية واحدة. وتبعا للمعطيات المتوصل بها من السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض – رئيس النيابة العامة، في إطار تتبع مآل الملفات المذكورة أعلاه، فإن ملفين (02) يوجدان قيد المحاكمة، وملفين (02) قيد التحقيق، و14 ملفا في مرحلة البحث، بينما تم حفظ ملفين اثنين.
وبذلك، فإن عدد الملفات الجنائية المحالة من طرف الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات، خلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2025، بلغ 55 ملفا بمعدل 11 ملفا كل سنة. وحسب المعطيات المتوصل بها من السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض – رئيس النيابة العامة، فقد صدرت قرارات نهائية بشأن ستة (06) ملفات، بينما توجد خمسة (05) ملفات قيد المحاكمة، وستة (06) في مرحلة التحقيق، و34 في مرحلة البحث، فيما تم حفظ أربعة (04) ملفات.
وبالنسبة للشكايات الواردة على النيابات العامة من طرف الجمعيات أو الأشخاص المرفقة أو المستندة إلى تقارير المجلس الأعلى للحسابات، خلال الفترة 2019-2026، فبلغ عددها الإجمالي 31 شكاية، تم حفظ 30 منها، في حين توجد شكاية واحدة فقط قيد التحقيق.
وبخصوص الشكايات الواردة على المجلس من رئاسة النيابة العامة، تفعيلا لمذكرة التفاهم بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة والمجلس الأعلى للحسابات المؤرخة في 30 يونيو 2021، فقد بلغت ما مجموعه 79 شكاية خلال الفترة الممتدة من فاتح يناير 2024 إلى غاية متم دجنبر 2025، وقد تبين بعد دراستها أن شكايتين فقط تتضمنان عناصر قد تثير مسؤولية الأشخاص المشتكى بهم، إحداهما تتعلق بقرائن أفعال ذات صبغة جنائية والشكاية الأخرى تتضمن قرائن أفعال تستوجب الإحالة في ميدان التأديب المالي أمام المحاكم المالية.
أما بالنسبة للشكايات الأخرى التي تتوصل بها المحاكم المالية، فقد سجل المجلس، بعد تحليلها ودراستها بعمق ومهنية، أن غالبيتها لا تفضي إلى برمجة عمليات للتدقيق ولا إلى إحالات داخلية أو خارجية. فمن أًصل حوالي 3.462 شكاية وردت على المحاكم المالية خلال الفترة الممتدة من فاتح يناير 2024 إلى غاية متم دجنبر 2025، فإن حصة الشكايات التي اقترحت بشأنها برمجة مهمات رقابية للتسيير لم تتجاوز 15,7%، وتلك التي اقترح بخصوصها تفعيل للمساطر الموجبة للتأديب المالي من طرف المحاكم المالية لم تتجاوز نسبة 1,8%، في حين أن نسبة الشكايات التي قد تباشر بشأنها الإحالة الجنائية تقل عن 1%.
وعلاقة بإشكالية التمثلات «la perception» القائمة بشأن ظاهرة الفساد المالي، فيلاحظ في بعض الأحيان شعور سائد بأن من يتولى الشأن العام لا يقدم دائما الحساب بالشكل الكافي، مع انطباع عام بوجود بعض أشكال الإفلات من العقاب، مع ما يترتب عن ذلك من فقدان للثقة في المؤسسات. لكن واقع الحال يبرز أن أضرار وعواقب تَمَثُّل الفساد لا تقل خطورة عن أضرار الفساد نفسه إذا ما تم تضخيم حجمه والمبالغة في ذلك:
« Les dommages de la perception de la corruption sont aussi
dangereux que la corruption elle-même».
وفي هذا السياق، أود أن أشير إلى بعض الظواهر التي تسجلها المحاكم المالية بشأن التَمَثُّلات المحيطة بالفساد، حيث يبدو أن مباشرة كل مهمة رقابية تُؤَوَّلُ على أنها تهدف إلى تدقيق في جرائم مالية. وفي جانب آخر يرتبط بمسطرة التواجهية خلال إنجاز المهمات الرقابية، يتم، من داخل الجهاز الخاضع للمراقبة وعن قصد وسوء نية، تسريب ملاحظات أولية واردة في تقارير تمهيدية ذات طابع مؤقت، بينما قد لا تتضمن التقارير النهائية، بعد الأخذ بعين الاعتبار أجوبة الأجهزة المعنية بهذه التقارير، الكثير مما تم تسريبه. وفي هذا الصدد، أود أن أثير الانتباه بهذا الخصوص، ونحن على أعتاب استحقاقات انتخابية كما سبق أن أشرت إلى ذلك، إلى مخاطر التوظيف غير المسؤول والاستعمالات غير الموضوعية لمخرجات وتقارير أعمال المحاكم المالية، بصفة خاصة، ولتقارير أعمال مختلف أجهزة الرقابة، بصفة عامة.
بعد هذه الملاحظات بالغة الأهمية، أود أن أعرض العناصر البارزة لحصيلة المحاكم المالية في ميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية خلال سنتي 2024 و2025، علما أن معطيات هذه الحصيلة قد تم تحيينها إلى غاية متم شهر دجنبر 2025. فقد بلغ عدد الملفات الرائجة 412، تم البت في 130 منها. وتوزعت القرارات والأحكام الصادرة ما بين:
• قرارات وأحكام بعدم ثبوت المؤاخذات في 38 ملفا؛
• قرارات وأحكام بالغرامة بمجموع يناهز 4,6 مليون درهم، همت 92 ملفا، منها
11 ملفا تم الحكم بشأنها بإرجاع المبالغ المطابقة للخسارات التي تسببت فيها المخالفات المرتكبة بقيمة 1,3 مليون درهم. وبالتالي، فقد تجاوز المبلغ الإجمالي المحكوم به بالإرجاع أو الغرامة 5,9 مليون درهم.
وفي إطار الملفات الرائجة، مثلت المؤسسات العمومية نسبة 80% من الأجهزة موضوع القضايا المرفوعة أمام المجلس في ميدان التأديب المالي. أما على مستوى المجالس الجهوية للحسابات، فقد همت القضايا الرائجة 141 جهازا، حيث يتعلق الأمر بجهتين وستة أقاليم وخمسة أجهزة للتعاون بين الجماعات الترابية ومؤسسة عمومية محلية و125 جماعة ومقاطعتين.
وتتعلق القضايا الرائجة أمام المجلس بـ 67 شخصا، تمثل 46% منهم فئات المسؤولين والآمرين بالصرف والآمرين المساعدين بالصرف. بينما همت باقي القضايا رؤساء أقسام ومصالح بنسبة 27% وموظفين وأعوان بنسبة 27%.
أما على مستوى المجالس الجهوية للحسابات، فتهم القضايا الرائجة أمامها 345 شخصا، موزعين ما بين 160 آمرا بالصرف، أي ما يمثل 46% من الملفات الرائجة، بينما تمثل فئة رؤساء الأقسام والمصالح وشسيعي المداخيل وأعضاء مكاتب مجالس ترابية ومدراء ومراقبين ومحاسب عمومي 106 مسؤولا، أي بنسبة 31%. وتهم الملفات الأخرى 79 موظفا بنسبة 23%.
وفيما يتعلق بطبيعة المخالفات المرتكبة في إطار الملفات التي تم البت فيها بالمجلس، فإن 68% منها ترتبط بمخالفة قواعد الالتزام بالنفقات العمومية وتصفيتها والأمر بصرفها وبالإدلاء إلى المجلس بأوراق غير صحيحة وبحصول الشخص لغيره على منفعة نقدية غير مبررة.
أما على مستوى المجالس الجهوية للحسابات، فإن 60% من المخالفات المرتكبة تتعلق بعدم احترام النصوص التنظيمية المتعلقة بالصفقات العمومية ومخالفة قواعد الالتزام بالنفقات العمومية وتصفيتها والأمر بصرفها ومخالفة القواعد المتعلقة بإثبات الديون العمومية وتصفيتها والأمر بصرفها.
وترجع هذه المخالفات، تبعا لنتائج التحقيق والمداولات في الملفات التي تم البت فيها، إلى ضعف أو عدم إرساء نظام للرقابة الداخلية ولتدبير المخاطر، إراديا أو لا إراديا، وعدم وضع أو تطبيق دلائل المساطر التي تتضمن الإجراءات الكفيلة بالمراقبة والإشراف والتتبع الفعال لمختلف العمليات وغياب التنسيق بين المصالح ومحدودية الموارد البشرية وضعف ثقافة العمل الجماعي وعدم الحرص على ترشيد الموارد المتاحة.
وفي هذا الإطار، فإن المجلس يؤكد على أهمية إخراج المرسوم المتعلق بالمراقبة الداخلية بالقطاعات الوزارية لما له من دور في تحسين الحكامة وتدبير المخاطر وضبط إجراءات المراقبة.
أما في مجال التدقيق والبت في الحسابات، فقد تم تقديم أكثر من 29% من الحسابات والبيانات المحاسبية إلى المجلس بطريقة لا مادية من أصل ما مجموعه 4.259 حسابا وبيانا محاسبيا مقدما للمحاكم المالية عن السنتين الماليتين 2023 و2024، مما يعكس تقدما متواصلا في مسار إضفاء الطابع اللامادي على الحسابات المقدمة، إذ يسعى المجلس إلى تعزيزه ضمن ورش التحول الرقمي على مستوى المحاكم المالية.
وسجل المجلس في هذا المجال تفاعل المحاسبين العموميين مع مذكرات الملاحظات والقرارات والأحكام التمهيدية من خلال إرجاعهم لما يناهز 16,5 مليون درهم لفائدة خزينة الأجهزة المعنية قبل صدور القرارات والأحكام النهائية.
كما أسفرت عمليات التدقيق والبت عن إصدار ما مجموعه 5.099 قرارا وحكما نهائيا، موزعا ما بين 4.838 قرارا وحكما بإبراء الذمة و261 قرارا وحكما بالعجز في حسابات المحاسبين المعنيين بمبلغ إجمالي يناهز 58,7 مليون درهم.
وتبرز الحصيلة العامة في مجال التدقيق والبت في الحسابات استنتاجين رئيسيين:
أولا، إن 95% من القرارات والأحكام النهائية الصادرة عن المحاكم المالية تتعلق بإبراء الذمة، بينما لا تشكل القرارات والأحكام القاضية بوجود عجز سوى نسبة 5%؛
ثانيا، إن مبالغ العجز الناتجة عن عدم اتخاذ الإجراءات الواجبة في مجال تحصيل الموارد من طرف المحاسبين العموميين شكلت نسبة 95% من العجز الإجمالي المحكوم به، مقابل 5% بالنسبة للمخالفات المتعلقة بصحة النفقة.
وتثير هذه الوضعية إشكالية نجاعة اختصاص التدقيق والتحقيق والبت في الحسابات، وذلك بالنظر إلى كلفة المسطرة ومحدودية نظام المسؤولية الحالي في ظل التطورات التي عرفها التدبير العمومي، لاسيما على إثر اللجوء المتزايد إلى الرقمنة والإصلاحات التي جاء بها القانون التنظيمي لقوانين المالية الهادفة إلى الانتقال من مقاربة للتدبير ترتكز على الوسائل إلى مقاربة ترتكز على النتائج وكذا التحول من محاسبة الأداء (Comptabilité de caisse) إلى محاسبة على أساس الاستحقاق (Comptabilité d’engagement).
وعلى هذا الأساس، يدعو المجلس إلى إعادة النظر في نظام مسؤولية المدبرين العموميين المعمول به حاليا، علما أن مشروع مدونة المحاكم المالية الذي يوجد حاليا قيد الإعداد يستحضر هذا الإصلاح.
حضرات السيدات والسادة النواب والمستشارين المحترمين،
فيما يتعلق بالتصريح الإجباري بالممتلكات، يؤكد المجلس على أهمية الملاحظات والتوصيات التي أبداها بخصوص إصلاح المنظومة برمتها، والذي سبق له أن تناوله ضمن تقاريره السنوية، وأصدر مذكرة استعجالية في الموضوع بهدف توفير الشروط لإرساء أرضية أكثر ملاءمة وتفعيل مراقبة أكثر نجاعة للتصريح بالممتلكات.
وفي هذا الإطار، يكتسي إخراج القانون الموحد المتعلق بالتصريح الإجباري بالممتلكات أهمية بالغة، أخذا بعين الاعتبار التوصيات التي تضمنتها المذكرة الاستعجالية الموجهة إلى الوزارة المنتدبة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة وكذا إلى السيد رئيس الحكومة بشأن سبل تطوير منظومة التصريح الإجباري بالممتلكات، لاسيما من خلال اعتماد التصريح الإلكتروني، ضمن نظام مندمج للتدبير انطلاقا من إعداد قوائم الملزمين إلى تلقي التصريحات وتتبعها ومراقبتها. كما يدعو المجلس إلى إرساء آلية مؤسساتية وإجرائية واضحة لإعداد وتحيين قوائم الملزمين بشكل دوري وإعادة النظر في نموذج التصريح بالممتلكات في اتجاه شمولية مضمونه لكافة عناصر الذمة المالية وتبسيط مصطلحاته وجعلها أكثر وضوحا.
ويواصل المجلس تدبيره لعمليات التلقي ومراقبة الامتثال لواجب الإدلاء بالتصاريح بالممتلكات، حيث يسجل، في هذا الصدد، تحسنا متواصلا لنسب التصاريح المودعة.
وهكذا، فقد بلغت نسب الامتثال لواجب تجديد التصريح بالممتلكات 100% على مستوى فئة أعضاء الحكومة والشخصيات المماثلة لهم وأعضاء مجلسي النواب والمستشارين وأعضاء المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري وقضاة المحاكم المالية، و94% بالنسبة لفئة منتخبي الجماعات الترابية والغرف المهنية. أما بخصوص فئة الموظفين والأعوان العموميين للدولة والمنشآت العامة والهيئات الأخرى فبلغ متوسط هذه النسبة 86%، علما أنها وصلت إلى 100% على مستوى وزارة الداخلية، ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، والوزارة المنتدبة المكلفة بالاستثمار، والوزارة المنتدبة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان، والوزارة المنتدبة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة.
وقد حصر المجلس عدد الملزمين المخلين بواجب الإدلاء بتصاريح بداية المهام ونهايتها بالنسبة لفئة الموظفين والأعوان العموميين في ما مجموعه 8.116 ملزما، وقد امتثل منهم 3.154 ملزما، أي 39%، على إثر توجيه قوائم بأسمائهم إلى السلطات الحكومية المعنية. وتباشر المحاكم المالية، بشأن الملزمين المتبقين، أي 4.962 ملزما (61%)، إجراءات إنذار الملزمين المخلين سواء بواجب التصريح الأولي أو تجديد التصريح أو التصريح النهائي تحت طائلة تحريك مسطرة العقوبة الإدارية أو الإحالة إلى المحكمة المختصة لاتخاذ العقوبات الجنائية المنصوص عليها.
وأغتنم هذه المناسبة لأشير بأن شهر فبراير الجاري، يتزامن مع موعد تجديد التصاريح بالنسبة لفئة منتخبي الجماعات الترابية والغرف المهنية، فعلى الملزمين من هذه الفئة، البالغ عددهم 10.615 ملزما، إيداع تصاريحهم التجديدية بالمجلس الجهوي للحسابات المختص، كما يتعين على الملزمين المخلين بواجبهم في هذا المجال تسوية وضعياتهم.
وفي ميدان آخر ضمن صلاحياته الدستورية، سبق للمجلس أن قام في ماي 2025 بنشر تقرير مفصّل حول نتائج تدقيق الحسابات السنوية للأحزاب السياسية وفحص صحة نفقاتها برسم الدعم العمومي للسنة المالية 2023 والتواصل بشأن هذا التقرير.
وفي إطار التتبع المنتظم لوضعية المبالغ غير المستعملة برسم الدعم السنوي، وكذا تلك غير المستعملة أو غير المستحقة أو غير المبرّرة، أو التي لم يتم إثبات صرفها بوثائق قانونية، سجل المجلس مواصلة عمليات الإرجاع التي يتتبعها عن كثب، حيث قام 24 حزبًا، إلى حدود متم يناير 2026، بإرجاع ما مجموعه 36,03 مليون درهم. في المقابل، حصر المجلس مبالغ لم يتم إرجاعها بعد، بقيمة إجمالية بلغت 21,85 مليون درهم، تهم 14 حزبًا، حث المجلس بشأنها وزارةَ الداخلية على دعوة الأحزاب السياسية المعنية إلى تسوية وضعيتها وإرجاع ما بذمتها إلى خزينة الدولة.
كما قام المجلس بتدقيق الحسابات السنوية للأحزاب السياسية وفحص صحة نفقاتها برسم الدعم العمومي للسنة المالية 2024، وأعد تقريرا يتضمن نتائج هذا التدقيق، وسوف يتم نشره بعد الانتهاء من مسطرة التداول بشأنه.
وفي هذا الصدد، يثمن المجلس المكانة التي ارتقت إليها بلادنا في التقييم الدولي ضمن المنهجية المعتمدة لدى منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بعد حصول المغرب على التصنيف الكامل 7/7، إلى جانب ثلاثة بلدان فقط (كندا، النرويج، مولدافيا)، في ما يخص المؤشر المتعلق بآليات مراقبة تمويل الأحزاب السياسية والحملات الانتخابية. وفي هذا السياق، يتعين بذل المزيد من الجهود من أجل إرجاع مبالغ الدعم غير المستحقة أو غير المستعملة أو غير المبررة إلى الخزينة (21,85 مليون درهم) وتقوية قدرات الأحزاب السياسية في التدبير الإداري والمالي والمحاسبي.
كما ينوه المجلس بالتعديلات المضمنة في مشروعي القانونين التنظيميين المتعلقين بالأحزاب السياسية وبمجلس النواب، التي أخذت بعين الاعتبار مقترحات وتوصيات المجلس الأعلى للحسابات، الرامية إلى تعزيز الشفافية والنجاعة في تدبير مالية الأحزاب، وتقوية آليات مراقبة مصادر تمويلها بما يضمن مشروعيّتها، والتي من شأن العمل الفعلي بها واحترامها أن يزيد من ثقة المواطن المغربي في العملية الانتخابية.
حضرات السيدات والسادة النواب والمستشارين المحترمين؛
تحرص المحاكم المالية، في إطار توجهها الاستراتيجي لإحداث الأثر، على التتبع المنتظم لتنفيذ التوصيات الصادرة ضمن مختلف تقاريرها، وذلك بهدف تقييم مدى تفاعل الأجهزة المعنية معها، وقياس الأثر الفعلي للمهام الرقابية المنجزة، فضلا عن تحديد العوامل والإكراهات التي حالت دون تنفيذ بعضها.
وسعيا إلى تحسين التعبئة الناجعة للمنصة الإلكترونية المحدثة لهذا الغرض منذ سنة 2022، نظم المجلس لقاءات مع ستة وعشرين (26) قطاعا وزاريا للتواصل مع ممثليها.
وفي هذا الصدد، وبالنسبة للتوصيات المبرمج تنفيذها قبل متم سنة 2025، سجل المجلس أن نسبة التوصيات المنفذة كليا بلغت 40%، في حين أن 44% توجد في طور الإنجاز و16% لم يشرع في إنجازها.
وتُرْجِع الأجهزة المعنية الصعوبات في تنفيذ بعض التوصيات إلى ارتباطها ببرامج وإصلاحات ذات طابع استراتيجي تتطلب مدة زمنية أكبر لتنفيذها أو إلى إكراهات متعلقة بمدى التنسيق والتعاون بين الأطراف المعنية أو إلى كون بعض التوصيات تكتسي طابعا قانونيا أو مؤسساتيا مما يجعل تنفيذها رهينا بإكراهات الزمن التشريعي أو التنظيمي أو إلى إكراهات مرتبطة بمحدودية الموارد المالية أو البشرية أو ذات صلة بصعوبات في تعبئة الوعاء العقاري.
وقد ساهم تنفيذ توصيات المجلس بشكل كلي أو جزئي في إحداث أثر إيجابي على تدبير عدة مجالات ذات وقع اجتماعي واقتصادي ومؤسساتي، ويمكن الاطلاع على أمثلة بهذا الخصوص في التقرير السنوي وفي الكتيب الموزع عليكم (الصفحة 30).
وجدير بالذكر أن المحاكم المالية تقوم، عند الاقتضاء، بتفعيل آليات المساءلة في الحالات التي يثبت فيها أن عدم تنفيذ التوصيات ترتب عنه ضرر بالجهاز المعني أو أدى إلى تعثر أو عدم إنجاز مشاريع ذات أهمية لفائدة المواطن أو في حال الوقوف على فوارق جوهرية ما بين نسبة التنفيذ المصرح بها ونسبة التنفيذ الحقيقية التي يتم حصرها في عين المكان من خلال مهمات في عين المكان لتتبع تنفيذ التوصيات.
حضرات السيدات والسادة النواب والمستشارين المحترمين؛
يتعلق المحور الثاني بعرض أهم نتائج بعض الأعمال الرقابية المتعلقة بالمجال الاجتماعي وكذا بالتنمية الترابية.
يحظى المجال الاجتماعي والتصدي للفوارق المجالية، تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية، بأولوية قصوى في تحسين ظروف عيش المواطنين وترسيخ العدالة الاجتماعية وتحقيق التنمية الشاملة.
ومن هذا المنطلق، واصل المجلس تتبعه لتنزيل الورش الملكي للحماية الاجتماعية للسنة الرابعة على التوالي، كما أفرد، برسم برنامجه السنوي 2024، مهمة رقابية حول التأمين الإجباري عن المرض (AMO) كأحد المكونات الرئيسية للورش المذكور.
وفي هذا الصدد، وإذا كان عدد المسجلين ضمن منظومة “AMO” قد عرف تقدما ملحوظا، حيث بلغ ما يقارب 31,94 مليون شخص عند متم سنة 2024، فإن العدد الإجمالي للمستفيدين فعلا من التأمين، أي المنخرطين الذين يتوفرون على حقوق مفتوحة، لم يتجاوز 25,6 مليون شخص، أي ما يعادل نسبة تغطية فعلية في حدود 70% برسم نفس الفترة.
وتعرف أنظمة “AMO” اختلالات في توازناتها المالية. ومن أهم أسباب هذه الوضعية، غياب الآليات الكفيلة بضبط نفقات أنظمة التأمين، هذه النفقات التي تزايدت، خلال الفترة 2022-2024، بوتيرة تناهز 83% تفوق نسبة نمو الموارد التي لم تتجاوز 36%. وتتأثر موارد هذه الأنظمة بعدة عوامل، منها المخاطر المرتبطة بتأخر أو عدم أداء المُشَغّلين للاشتراكات، وكذا تلك المتعلقة بموثوقية المعطيات المصرح بها.
فعلى سبيل المثال، سجل نظام أجراء القطاع العام عجزاً إجمالياً متواصلاً منذ 2021، رغم انخفاضه من 1,51 مليار درهم سنة 2021 إلى 861 مليون درهم سنة 2024، بالإضافة إلى تراجع احتياطه (réserve) إلى 5,56 مليار درهم، أي دون الحد الأدنى القانوني المحدد في حوالي سبعة (07) ملايير درهم.
وسجل نظام التأمين الخاص بالمهنيين والعمال المستقلين فائضا سنة 2024، لكنه لا يكفي لضمان استدامته، علما أن سنة 2023 عرفت عجزاً تقنياً يقارب 391 مليون درهم. كما سجل نظام التأمين الخاص بالأشخاص القادرين على دفع الاشتراك دون مزاولة أي نشاط، عجزاً حاداً بلغ 425 مليون درهم سنة 2024.
وفي نفس السياق، سجل نظام “AMO تضامن” ارتفاعا في مؤشر النفقات مقابل المساهمات من 16% إلى 94% بين سنتي 2022 و2024، مما يشكل تهديدا لاستدامته على المدى المتوسط.
وعلى ضوء التحديات التي تواجهها منظومة الحماية الاجتماعية، يوصي المجلس بتحيين وتقييم نظام وآليات الاستهداف المعمول بها طبقا لمقتضيات القانون المتعلق بمنظومة استهداف المستفيدين من برامج الدعم الاجتماعي وبتفعيل الوكالة الوطنية للسجلات، وكذا المرسوم الصادر بتطبيقه.
وفي نفس السياق، يوصي المجلس بالقيام بصفة دورية بالدراسات التقويمية ذات الصلة بنجاعة مكونات الحماية الاجتماعية وخصوصا تلك التي تمولها الميزانية العامة للدولة. ويحث على تعبئة وتنويع مصادر تمويل مستدامة لكافة مكونات الحماية الاجتماعية، والتنسيق والملاءمة بين سياسة الحماية الاجتماعية والسياسات العمومية الأخرى في المجالين الاقتصادي والاجتماعي.
كما يوصى المجلس بإرساء إطار للتدبير المالي خاص لنظام “AMO”، يحدد أساسا مبالغ موارده ونفقاته السنوية ويُمَكِّن من تتبع توازنه واستدامته، وبتطوير نظام معلوماتي يدمج مختلف مكونات هذا التأمين.
ويحث المجلس، أيضا، على تسريع برنامج تطوير وتأهيل المؤسسات الاستشفائية العمومية، باعتبارها رافعة أساسية للتغطية الصحية العامة، قصد توفير عرض العلاجات وتحسين جودة الخدمات الصحية في القطاع العام الذي لم يستقطب، سنة 2024، سوى %9 من إجمالي النفقات المفوترة التي يصرفها نظام “AMO” مقابل 91% للقطاع الخاص.
حضرات السيدات والسادة النواب والمستشارين المحترمين؛
تمثّل برامج التنمية المندمجة أحد أهم روافع تسريع التنمية الترابية وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وترسيخ مبادئ العدالة المجالية، لما توفره من التقائية بين مختلف الفاعلين وحرص على إنجاز نتائج ملموسة وقابلة للقياس.
وقد سجل المجلس نتائج هامة بخصوص منجزات برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، إلا أنه وقف، بالمقابل، على استمرار مجموعة من التحديات التي تُعيق بلوغ الأثر التنموي المنشود في تقليص الفوارق الترابية وتوسيع الولوج إلى الخدمات الأساسية، وذلك بالنظر إلى أوجه القصور المسجلة في التشخيص، ودقة الاستهداف، وتوازن توزيع التمويل بين القطاعات.
وقد خلص المجلس إلى أن أغلب المشاريع المنجزة، رغم أهميتها في تحسين جودة البنية التحتية القائمة، انصبت على صيانة وإعادة تأهيل مرافق وبنيات قائمة أكثر من توسعة أو إنشاء مرافق جديدة، علما أن الأهداف الجوهرية للبرنامج، ترمي أساسًا إلى تعزيز العدالة المجالية من خلال توسيع التغطية بالخدمات الأساسية لفائدة المناطق والولوج إليها، خاصة في الوسطين القروي والجبلي، التي مازالت تفتقر إلى هذه الخدمات.
ففيما يخص الطرق المصنفة (3.246 كلم)، فقد خُصصت جميعها لأشغال التهيئة دون فتح محاور جديدة. أما بالنسبة للطرق والمسالك غير المصنفة، فقد اقتصرت 23% من الإنجازات، أي ما يعادل 4.572 كلم، على أعمال الصيانة وتحسين الوضعية الحالية، دون توسيع فعلي للشبكة الطرقية. وفي قطاع التعليم، وُجهت 88% من المشاريع إلى المؤسسات الابتدائية القائمة و75% منها إلى القاعات متعددة التخصصات، دون إحداث مدارس جديدة بالمناطق التي تعرف خصاصا في البنيات المدرسية. كما شملت تدخلات قطاع الصحة 63% من المراكز الصحية و83% من مستشفيات القرب، مع تركيز واضح على التوسعة بدل تغطية المناطق غير المستفيدة.
وبالموازاة، أود أن أتقاسم معكم، حضرات السيدات والسادة النواب والمستشارين المحترمين، أهم خلاصات مهمات رقابية وتقييمية أنجزتها المحاكم المالية بخصوص استراتيجيات وبرامج ومشاريع عمومية، من أجل استخلاص الدروس والعبر بالنسبة للبرامج المستقبلية وتفادي الأسباب التي قد تعيق بلوغ الأهداف المتوخاة منها، لا سيما ونحن بصدد مرحلة يميزها تفعيل التوجيهات الملكية السامية الواردة في خطاب العرش لسنة 2025 وفي الخطاب الملكي السامي بتاريخ 10 أكتوبر 2025 بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية الحادية عشرة، والتي دعت إلى إطلاق جيلٍ جديدٍ من برامج التنمية الترابية المندمجة يتّسم بقدر أعلى من النجاعة والاستدامة والأثر الملموس على المواطن.
وفي هذا الإطار، يؤكد المجلس أن جودة بلورة البرامج التنموية المندمجة تُعَدُّ محدِّدًا رئيسيًا لمدى تحقيق الأثر الملموس على المواطن والمجال، مما يستوجب إعداد تشخيصٍ مجاليّ وقطاعيّ دقيق يستند إلى نظام معلومات ترابي محيَّن ومتكامل، مع تحديد أهداف قابلة للقياس تُواكبها مشاركة فعّالة للأطراف المعنية. يؤكد المجلس، في هذا الصدد، ضرورة تسريع وتيرة تنزيل الميثاق الوطني للاتمركز الإداري باعتباره عاملٍا مؤثرا في كفاءة التدبير الترابي، حيث لم تتجاوز نسبة تنفيذ خارطة الطريق الخاصة بهذا الميثاق 36% إلى غاية نهاية سنة 2024.
ويوصي المجلس أيضا، عند بلورة برامج التنمية المندمجة، باستحضار مقومات كل مجال ترابي بتفرعاته الإدارية وخصوصياته السوسيولوجية والثقافية، ومراعاة ما تتميز به المناطق القروية والجبلية من تشتت للسكن واعتماد حلول فعالة ومبتكرة للاستجابة لحاجيات ساكنتها من خلال تعزيز التمدرس المتنقل وتشجيع تقديم “الخدمات الطبية عن بعد” وكذا تكثيف مبادرات القوافل الطبية المتخصصة، مع الحرص على الأخذ بعين الاعتبار حاجيات كل منطقة من المناطق المستفيدة.
ويحث المجلس، أيضا، على إشراك المندوبية السامية للتخطيط والمرصد الوطني للتنمية البشرية في رصد مؤشرات التنمية المجالية، والاستفادة من خبرة الجامعات ومراكز البحث في مجالات الجغرافيا الاقتصادية والسوسيولوجيا الترابية لتحسين دقة الاستهداف.
ويوصي المجلس بتحرّي الواقعية في إعداد البرامج وتفادي الإعلان عن برامج غير واقعية (Effet d’annonce) من خلال الحرص على تحديد أهداف ومشاريع قابلة للتنفيذ، وفق القدرة الفعلية على تعبئة الموارد المالية الضرورية وفي الآجال الزمنية المحددة، بما يُعزّز موثوقية التخطيط الترابي ومصداقية الالتزامات العمومية والثقة في المؤسسات. وفي هذا الصدد، لاحظ المجلس، من خلال مهمة رقابية منجزة سنة 2023، أن من بين 78 اتفاقية موقّعة أمام أنظار صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله ما بين سنتي 2008 و2020، لم يُستكمل تنفيذ الأشغال بخصوصها إلا في 32 برنامجًا بغلاف مالي ناهز 16,6 مليار درهم، أي ما يعادل 41% من حيث العدد و9% من حيث المبلغ.
كما سبق للمجلس أن سجل أن معدل إنجاز المشاريع المندرجة ضمن عقود-البرامج بين الدولة والجهات خلال الفترة 2020-2022 لم يتجاوز 9%، علما أنه لم يتم التأشير على أي عقد – برنامج جديد برسم الفترة 2022-2027.
وبشأن تقييم مجموعة من برامج التنمية الترابية المندمجة التي ترجع إلى الفترة 2008-2022، تبين أنّ نسبة البرامج التي اكتملت مشاريعها لا تتجاوز من حيث العدد 26% ومن حيث المبلغ 14%، أي 41 برنامجًا فقط بتكلفة تناهز 6,3 مليار درهم، من أصل 158 برنامجا مندمجا بغلاف مالي إجمالي قدره 45 مليار درهم.
ويدعو المجلس أيضا إلى الانتقال من مقاربة كمية في التتبّع، تقتصر على معدلات الإنجاز أو استهلاك الاعتمادات، إلى مقاربة نوعية قائمة على قياس الأثر الفعلي على المواطن وعلى الاقتصاد المحلي والترابي.
ويرى المجلس أن بلوغ الأهداف المتوخاة من برامج التنمية الترابية يقتضي إرساء مقاربة أكثر تكاملاً، تُعزّز التنسيق المسبق بين المتدخلين، وتضمن الربط الفعلي بين التمويل والنتائج، بما يُسهم في تسريع وتيرة الإنجاز وتثمين الأثر التنموي للاستثمار العمومي. فقد سجل المجلس أن ضعف التنسيق المسبق، وتأخر إعداد الدراسات التقنية، وعدم تعبئة الوعاء العقاري في الوقت المناسب، إلى جانب تفاوت القدرات التدبيرية بين الفاعلين الترابيين، شكّلت أبرز العوامل التي حدّت من تحقيق الأهداف المبرمجة داخل الآجال المحددة.
وقد ثبت للمجلس أن إغفال العناصر المتعلقة باستغلال المنشآت وصيانتها عند التصور الأولي لبرامج التنمية أدى إلى عدم تحقيق الأهداف المتوخاة. فقد سجلت المحاكم المالية أن تعثر عدد من المشاريع المنجزة يرجع إلى غياب تصور مسبق لاستغلالها وعدم استحضاره إلا بعد الانتهاء من الإنجاز، وعدم تحديد الجهة المسؤولة عن التشغيل والصيانة، وتأخر تسليم المنشآت وإبرام الاتفاقيات الخاصة بها. كما أن إغفال الجوانب المالية المرتبطة بالصيانة وبالاستدامة عند إعداد التركيبة المالية لعقود البرامج والاتفاقيات تتسبب في عدم قدرة الأطراف المعنية على تغطية نفقات التشغيل والصيانة. وعلى سبيل التذكير، أبرزت المجالس الجهوية للحسابات، من خلال مهمة موضوعاتية أنجزتها في سنة 2021، أن نسبة المشاريع التي تعرف صعوبات على مستوى الاستغلال بلغت حوالي 48% من أصل ما مجموعه 2.635 مشروعا متعثرا. وتحرص المجالس الجهوية للحسابات على تتبع الإجراءات المتخذة في هذا الإطار من أجل تجاوز صعوبات استغلال هذه المشاريع.
وفيما يخص جاذبية المجالات الترابية للاستثمار الخاص، فإن توفير الوعاء العقاري، سواء في الوسط الحضري أو الوسط القروي، يعتبر من أهم عوامل تحفيز الاستثمار، ومن ثم المساهمة في التنمية الترابية، مما يستدعي اعتماد استراتيجية عقارية وطنية مندمجة تضمن انسجام تدخلات مختلف الفاعلين وتيسر ولوج المستثمرين إلى العقار، مع الحرص على إرساء الآليات المناسبة لاسترجاع العقارات والأملاك العامة التي تم الاستيلاء عليها أو استغلالها بشكل غير قانوني، واتخاذ الإجراءات الزجرية، عند الاقتضاء.
كما أن غالبية المجالات الترابية ببلادنا تتوفر على مؤهلات طاقية، تجعل منها مناطق استقطاب لاستثمارات واعدة على المستوى الوطني، مثل الطاقات المتجددة، إذ على الرغم من بلوغ حصتها الإجمالية في المزيج الكهربائي 45,3% في سنة 2024، فإن مساهمتها في إنتاج الكهرباء لم تتعد 26,7% على الصعيد الوطني، مما استلزم مواصلة الاعتماد الواسع على الطاقات الأحفورية في إنتاج الكهرباء.
وفي هذا الصدد، يؤكد المجلس على ضرورة تسريع الاستثمارات خاصة في مجال الطاقة الشمسية وكذا في شبكة نقل الكهرباء، ولا سيما مشروع “الطريق السيار الكهربائي” الرابط بين الداخلة والدار البيضاء بقدرة ثلاثة جيغاواط وبتكلفة تقارب 30 مليار درهم في إطار شراكة بين القطاعين العام والخاص، علما أن الدعوة إلى إبداء الاهتمام
(Appel à Manifestation d’Intérêt) أُعْلِن عنها في أكتوبر من سنة 2023 من أجل تنفيذ هذا المشروع، ولم يتم توقيع الشراكة المذكورة إلا في مايو 2025.
وارتباطا بإشكاليات التنمية الترابية وبالاستغلال الأمثل لحجم الموارد المائية المتوفرة، فإن الأمطار الأخيرة والثلوج التي أنعم الله به علينا حملت معها بوادر موسم فلاحي جيد، ومكنت من تحسين معدلات ملء السدود في غالبية جهات المملكة، وبالتالي من تجاوز منطقة الخطر في مجال الماء الشروب، على الأقل على المدى القريب. غير أن تدبير المياه، سواء في الجهات المعروفة بالوفرة أو الجهات التي تعاني الندرة أو في ظل ظروف تعاقب فترات مناخية متباينة، يستلزم مواصلة المزيد من الترشيد والتصدي للسلوكات المشينة وغير المسؤولة على مستوى كل مجال ترابي.
وباعتبار الموارد البشرية الترابية إحدى المرتكزات الأساسية لنجاح البرامج التنموية، يحث المجلس على التسريع بإعداد استراتيجية وطنية مندمجة لتأهيل الوظيفة العمومية الترابية، تراعي الخصوصيات المجالية والاجتماعية والاقتصادية لكل جهة، وترتكز على التعاقد المؤسساتي بين الدولة والجهات في مجال تدبير الرأسمال البشري وتستحضر الاختصاصات المنوطة بالجماعات الترابية في إطار تنزيل الجهوية المتقدمة.
كما يوصي المجلس بتعزيز جاذبية الوظيفة العمومية الترابية عبر آليات تحفيزية كفيلة باستقطاب الكفاءات وبضمان استقرارها الوظيفي، وتضمين هذه الآليات في نظام أساسي لفئات الأجراء المعنيين. وتشكل المؤسسات والمقاولات العمومية ذات الطابع الترابي، نموذجًا مرجعيًا يمكن الاستئناس به لتوسيع قاعدة الكفاءات داخل المنظومة الترابية، حيث تسجل نسب تأطير مهمة، ذلك أن فئتَي الأطر المتوسطة والعليا تمثلان في مجموعها 58% من إجمالي المستخدمين بهذه المؤسسات، منها 31% ضمن الوظائف العليا للتأطير.
ولبلوغ الأثر المتوخى لبرامج التنمية على أرض الواقع، يؤكد المجلس على أهمية تكريس العمل الجماعي بين مختلف الفاعلين المؤسساتيين، من خلال التعاون والتعاضد وتبادل الخبرات والكفاءات وتوظيفها بشكل أفضل محليا وترابيا، لا سيما بالنسبة للبرامج والمشاريع الاستراتيجية.
وعلاقة بمجال التكوين المهني، الذي يعد من العوامل الحاسمة في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، يسجل المجلس أن المحور المتعلق بإحداث مدن المهن والكفاءات في خارطة الطريق لتطوير التكوين المهني الأساسي برسم الفترة 2019-2024، قد استفاد من إطار حكامة محدد وتم تأمين تمويله من خلال اتفاقية متعددة الأطراف موقعة في شهر فبراير 2020 بغلاف مالي أولي قدره 3,6 مليار درهم، تمت مراجعته خلال سنة 2025 ليصل إلى 5,9 مليار درهم. في المقابل، فإن المحاور الأخرى لخارطة الطريق، على غرار تأهيل وتطوير عرض التكوين وتحديث الوسائل البيداغوجية، لم تحظ بتدابير خاصة من أجل حصر تمويلها وتتبع تنفيذها.
ومن حيث الإنجازات، فإن إحداث مدن المهن والكفاءات عرف تأخرا واضحا مقارنة بالآجال المتوقعة، إذ، وإلى حدود الموسم الدراسي 2024-2025، تم تشغيل سبع (07) مؤسسات من أصل 12، بما يعادل حوالي 74% من الطاقة الاستيعابية المتوقعة والتي تقدر بـ 34.000 مقعدا سنوياً. ويعزى هذا التأخر أساسا إلى الصعوبات المرتبطة بتعثر الشركات المكلفة بأشغال البناء وكذا تلك الناجمة عن زيادة التكاليف التي فاقت 64% مقارنة بالتوقعات الأصلية. ويستدعي تحقيق الهدف من إحداث مدن المهن والكفاءات تسريع تفعيل نموذج الحكامة الخاص بشركات تدبيرها، مع إشراك مجالس الجهات والمهنيين.
وبخصوص مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، باعتباره فاعلا رئيسيا في مجال التكوين والاستجابة لحاجيات المقاولات في القطاعات الإنتاجية، فإن المجلس يحث على إرساء آلية تعاقدية ملائمة تربطه بالدولة على مستوى الأهداف والوسائل والنتائج المتوخاة، عبر مؤشرات ذات أبعاد ترابية وقطاعية. ويتوخى هذا التعاقد، أساسا، تأمين تمويل مشاريع خارطة الطريق وضمان تتبعها.
حضرات السيدات والسادة النواب والمستشارين المحترمين؛
إن كافة المهمات التي أنجزتها المحاكم المالية في إطار تنفيذ برنامج سنة 2024، والبالغ عددها 181 مهمة رقابة وتقييم، لم تكن لتتم في المستوى المطلوب دون تعبئة الموارد البشرية اللازمة، إذ تتوفر هذه المحاكم حاليا على حوالي 800 قاضيا وموظفا، بنسبة ارتفاع قدرها 28% مقارنة بسنة 2021، 52% منهم على مستوى المجلس و48% على مستوى المجالس الجهوية للحسابات. ويتميّز القضاة، البالغ عددهم 410 قاضيا وقاضية، بتنوّع مؤهلاتهم العلمية بما يدعم قدرة المجلس على مواكبة الرقابة المتخصصة والتحول الرقمي، ذلك أن 36,5% منهم مهندسون في مجالات متعددة، و11,5% خريجو المعاهد العليا للتجارة والتسيير، و30% حاصلون على شهادات جامعية في الاقتصاد والتدبير، و14% يتوفرون على شهادات في القانون، و8% حاصلون على شهادات أخرى.
ويحرص المجلس على نهج مبدأ الصرامة والاستحقاق في مختلف عمليات التوظيف، من خلال تحديد مضبوط للحاجيات والاستهداف الدقيق للتخصصات ذات القيمة المضافة بالنسبة للمحاكم المالية والمستجيبة للتطورات التي يعرفها تدبير الشأن العمومي في مختلف مستوياته.
كما نعمل على تدعيم هذا المسار ببرنامج تكوين متكامل يهدف إلى تأهيل القدرات وتنميتها، بما في ذلك المهارات الناعمة Soft Skills، من خلال دورات تكوينية مستمرة تركز على الجانب التطبيقي والميداني، سواء عبر مركز تنمية القدرات التابع للمجلس أو من خلال تفعيل اتفاقيات التعاون، مع اعتماد آليات تخطيط استراتيجي لنقل المعرفة وضمان استمرارية الخبرات داخل المؤسسة وتكوين الخلف، الأمر الذي أسهم في تعزيز قاعدة الموارد البشرية ورفع مستوى دعم وتأطير المهمات الرقابية.
وارتباطا بمجال التعاون مع الأجهزة العليا للرقابة على المستوى الدولي، يجسد تقلد المجلس الأعلى للحسابات، خلال سنتي 2024-2025، لعدة مناصب: الأمين العام للمنظمة الإفريقية للأجهزة العليا للرقابة المالية (الأفروساي) والأمين العام للمنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة المالية ذات الاختصاصات القضائية (جوريساي) مدى الثقة التي يحظى بها المجلس داخل مجتمع الهيئات العليا للرقابة واعترافا بأدواره القيادية فيها، كما يثمن إسهاماته في دعم مسيرة العمل الرقابي وفاعلية آثاره على تحسين تدبير الشأن العمومي.
وقد تم مؤخرا، خلال شهر دجنبر 2025، انتخاب المجلس الأعلى للحسابات نائبا لرئيس المجلس التنفيذي للمنظمة العربية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة (الأرابوساي) للفترة 2025-2028، واعتماد قرار احتضانه للدورة السادسة عشرة للجمعية العامة للأرابوساي سنة 2028، وتقلده، بذلك، رئاسة المنظمة في العهدة الموالية.
حضرات السيدات والسادة النواب والمستشارين المحترمين؛
استشرافا للمرحلة المقبلة 2027-2031، نحن بصدد بلورة التوجهات الاستراتيجية لهذه المرحلة وأهم مرتكزاتها، وإننا نعي جيدا حجم المسؤولية الملقاة على عاتق المحاكم المالية وحجم الانتظارات إزاء هذه المؤسسة، لا سيما في ظل التحولات والتحديات الراهنة، وفي مقدمتها الدينامية التنموية التي تعرفها بلادنا تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.
وسعيا إلى الارتقاء بأعمال المحاكم المالية، فإن المجلس، بتنسيق مع الأطراف المعنية، أعد مشروع قانون لإصلاح مدونة المحاكم المالية، يوجد في طور الدراسة على مستوى الأمانة العامة للحكومة، وذلك من أجل ملاءمة المقتضيات الحالية مع التحولات التي عرفها تدبير الشأن العام والاستفادة من الدروس المستخلصة من أكثر من 23 عشرين سنة من التطبيق العملي للمدونة الحالية، التي دخلت حيز التنفيذ منذ سنة 2003، وجعل المساطر المتبعة من طرف المحاكم المالية أكثر استجابة لمعايير الفعالية والنجاعة ومبادئ المحاكمة العادلة.
وإننا، لعاقدون العزم على مواصلة تطوير مناهج اشتغال المحاكم المالية وإبراز قيمتها المضافة والرفع من أثر أعمالها، وحريصون أيضا على أن تكون مخرجات مختلف أعمالنا الرقابية آليات تساعد على الإحساس بالأمن القضائي المالي وتساهم إلى جانب الأطراف ذات الصلة في الحد من مظاهر وسلوكيات الفساد، وحماية المدبرين العموميين أنفسهم من أنفسهم من جهة، وتساعد، من جهة أخرى، على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب بهدف المساهمة في تجويد تدبير الشأن العمومي وتمكين المواطنين من الاستفادة أكثر من الخدمات ومن آثار البرامج والمشاريع. ومما لا شك فيه أن هذه الأهداف تتوخى أساسا تعزيز ثقة المواطن في مؤسسات الدولة والإسهام المسؤول والفعلي والجاد في مسيرة التنمية التي تعرفها المملكة، تحت القيادة الرشيدة لمولانا صاحب الجلالة حفظه الله ورعاه.
ومن الطبيعي أيضا أننا جميعا، برلمانا وحكومة وسلطة قضائية ومؤسسات دستورية، وأغنتم هذه الفرصة لشكر القائمين عليها، نتقاسم هذه الغايات ونحرص على الانخراط، بروح المسؤولية المواطنة وفي إطار من التعاون والتنسيق المؤسسي، في المسار التنموي الشامل والمندمج لبلادنا والرامي إلى جعل التنمية الاقتصادية تقترن بالنهوض الاجتماعي وتوفير مقومات العيش الكريم لجميع المواطنين وتمكينهم من استشعار الأثر الملموس لتدخلات كافة أجهزة الدولة، في تكامل بين كل المبادرات والإنجازات، غايتنا في ذلك ما دعا إليه جلالة الملك نصره الله وأيده في خطاب العرش لسنة 2025، حيث قال حفظه الله:” لقد حان الوقت لإحداث نقلة حقيقية، في التأهيل الشامل للمجالات الترابية، وتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية” انتهى النطق الملكي السامي.
وفقنا الله جميعا لما فيه خدمة بلدنا بصدق وأمانة من أجل تحقيق ما يطمح إليه كافة مواطنيه من الرقي والعيش الكريم تحت القيادة الحكيمة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.
أشكركم جميعا على حسن الإصغاء.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.





