BELADINEWS.MA
بلادي نيوز.ma
أكد الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، أن ورش إصلاح المستشفى العمومي أصبح اليوم أحد أكبر التحديات المطروحة أمام المغرب بعد النجاح الذي حققه في تعميم التغطية الصحية، معتبراً أن المرحلة الحالية تقتضي الانتقال من ضمان الحق في الاستفادة من التأمين الصحي إلى ضمان الحق الفعلي في الولوج إلى العلاج الجيد والقريب من المواطنين.
وجاءت تصريحات بركة خلال الندوة التي نظمتها رابطة الأطباء الاستقلاليين حول موضوع “المستشفى العمومي والعرض الصحي بالمغرب: طموحات ورافعات الإصلاح”، والتي خصصها الحزب لمناقشة أحد التزاماته السياسية الخمسة المتعلقة بالدفاع عن المرفق العمومي والارتقاء بجودة الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين.
وأوضح الأمين العام لحزب الاستقلال أن المستشفى العمومي لا يمكن اختزاله في كونه مؤسسة تقدم خدمات علاجية فقط، بل يمثل أحد أهم تجليات الدولة الاجتماعية، باعتباره الضامن الأساسي للمساواة بين المواطنين في الولوج إلى العلاج، والحصن الذي يحمي الفئات الهشة والمتوسطة من تبعات المرض وتكاليفه.
واعتبر أن المغرب حقق مكسباً تاريخياً من خلال تعميم الحماية الاجتماعية والتأمين الإجباري عن المرض، بفضل الرؤية الملكية التي جعلت الحق في العلاج حقاً مواطناتياً يشمل ملايين المغاربة. غير أن هذا الإنجاز، يضيف بركة، يفرض تعزيز قدرات المنظومة الصحية حتى تتمكن من الاستجابة للطلب المتزايد على الخدمات الطبية.
وشدد على أن المستشفى العمومي يشكل القلب النابض للمنظومة الصحية الوطنية، بالنظر إلى الأدوار الاستراتيجية التي يضطلع بها، سواء في استقبال الحالات المستعجلة، أو علاج الأمراض المعقدة والنادرة، أو تكوين الأطر الطبية والتمريضية، أو ضمان استمرارية الخدمات الصحية بالمناطق التي لا تستقطب الاستثمار الخاص.
وفي تشخيصه لوضع القطاع، أقر بركة بوجود اختلالات وتحديات متراكمة تواجه المستشفيات العمومية، من بينها محدودية الإمكانيات مقارنة مع تطور الحاجيات الصحية للمواطنين، وقدم بعض البنيات والتجهيزات، إضافة إلى الضغط الكبير على الموارد البشرية الصحية وارتفاع آجال الانتظار في عدد من المؤسسات الاستشفائية.
كما توقف عند نتائج تعميم التأمين الإجباري عن المرض، مشيراً إلى أن المعطيات المتوفرة تظهر توجه جزء كبير من نفقات التغطية الصحية نحو القطاع الخاص، وهو ما يجعل تقوية المستشفى العمومي ضرورة اجتماعية واقتصادية في الآن نفسه، لضمان استدامة المنظومة الصحية والحفاظ على توازنها المالي.
وفي هذا السياق، أكد أن الرهان الحقيقي يكمن في الاستثمار في العنصر البشري، مبرزاً أن جودة الخدمات الصحية ترتبط أساساً بالأطباء والممرضين ومختلف مهنيي القطاع. ودعا إلى توفير ظروف عمل أفضل وتحفيزات مادية ومهنية كفيلة بالاحتفاظ بالكفاءات الوطنية داخل المستشفيات العمومية والحد من نزيف هجرة الأطر الصحية.
ولم يفت بركة التأكيد على ضرورة تقليص الفوارق المجالية في الولوج إلى الخدمات الصحية، داعياً إلى تسخير الرقمنة والتطبيب عن بعد والذكاء الاصطناعي لتقريب العلاج من سكان المناطق القروية والجبلية، وتعزيز العدالة المجالية في المجال الصحي.
وفي عرضه لمداخل الإصلاح، دعا الأمين العام لحزب الاستقلال إلى إعادة الاعتبار للرعاية الصحية الأولية وطب القرب، عبر تعميم المراكز الصحية المجهزة، وتوفير طبيب مرجعي للمواطنين، وإرساء مسار علاجي واضح يربط بين مختلف مستويات العلاج، بما يخفف الضغط عن المستشفيات ويضمن نجاعة أكبر للمنظومة الصحية.
كما شدد على أهمية إرساء حكامة جديدة تمنح المؤسسات الاستشفائية العمومية هامشاً أكبر من الاستقلالية في التدبير، مقابل إخضاعها لمعايير دقيقة لتقييم الأداء وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع توفير تمويل مستدام يمكنها من الاضطلاع بمهامها الاجتماعية والسيادية.
وفي ما يتعلق بالمستعجلات، دعا بركة إلى إحداث تحول جذري في طريقة تنظيمها، من خلال إنشاء منظومة وطنية موحدة تعتمد على التنسيق بين مختلف المتدخلين، وتوفر رقماً موحداً للاتصال، ومنصات رقمية تسمح بتتبع الأسرة المتاحة وسيارات الإسعاف والموارد الطبية في الزمن الحقيقي، بما يضمن التدخل السريع وإنقاذ الأرواح.
واقترح في هذا الإطار إحداث وكالة وطنية للمستعجلات الطبية تتولى وضع المعايير الوطنية وتوحيد بروتوكولات التدخل، إلى جانب تعزيز دور المجموعات الصحية الترابية في تدبير هذا المرفق الحيوي على المستوى الجهوي.
كما دعا إلى تطوير تخصص طب المستعجلات وجعله أكثر جاذبية للأطباء والممرضين، مع توسيع الاعتماد على الفرق الطبية المتنقلة والإسعاف المتخصص والتطبيب عن بعد، فضلاً عن استخدام المروحيات الصحية لفك العزلة عن المناطق الجبلية والنائية.
وختم بركة كلمته بالتأكيد على أن إصلاح المستشفى العمومي يتجاوز كونه ورشاً قطاعياً أو إدارياً، ليشكل مشروعاً مجتمعياً يهدف إلى بناء مغرب يضمن لمواطنيه الحق في العلاج بغض النظر عن إمكانياتهم المادية أو أماكن إقامتهم، معتبراً أن نجاح الدولة الاجتماعية يقاس بقدرتها على حماية مواطنيها عندما يحتاجون إلى الرعاية الصحية.
وأكد أن الهدف النهائي يتمثل في بناء منظومة صحية متوازنة ومتكاملة، يعمل فيها القطاعان العام والخاص في إطار من التكامل، مع الحفاظ على المستشفى العمومي كضامن أساسي للإنصاف والعدالة والسيادة الصحية، وجعل المؤسسات الاستشفائية العمومية فضاءات للتميز الطبي والثقة في الخدمات العمومية.





