BELADINEWS.MA
في زمن أصبحت فيه المزايدات السياسية والصراخ الشعبوي أسهل الطرق لحصد التفاعل والركوب على غضب الشارع، يبرز أحياناً سلوك سياسي مختلف يعيد شيئاً من الثقة المفقودة بين المواطن والمسؤول السياسي القريب لعموم المواطنين . هذا تماماً ما حدث مع وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، السيد أحمد البواري، بعدما اختار أن يواجه الجدل الذي أعقب تصريحه حول أسعار الأضاحي بمنطق الوضوح والمسؤولية، لا بمنطق الإنكار أو الهروب إلى الأمام.
فالرجل لم يتردد في الخروج سريعاً لتوضيح أن حديثه عن وجود أضاحٍ بأسعار تتراوح بين 1000 و1500 درهم كان مجرد خطأ غير مقصود في التقدير، مؤكداً أن الأسعار الواقعية تبدأ من حوالي 2000 إلى 2500 درهم فما فوق. وقد يبدو الأمر للبعض مجرد تصحيح عابر، لكنه في العمق يحمل دلالة سياسية وأخلاقية عميقة، لأن الاعتراف بالخطأ داخل الحياة العامة أصبح عملة نادرة في زمن يفضل فيه كثيرون المكابرة حتى النهاية.
القوة الحقيقية لأي مسؤول لا تكمن في الادعاء بالكمال أو محاولة إقناع الناس بأن كل شيء تحت السيطرة، بل في امتلاك الشجاعة للاعتراف بالخطأ وتصحيحه باحترام لذكاء المواطنين. وهذا ما فعله الوزير البواري بهدوء ودون ارتباك، مقدماً صورة مسؤول يدرك أن الثقة تُبنى بالمصارحة لا بالشعارات.
ورغم أن البعض سارع إلى تحويل التصريح إلى مادة للتوظيف السياسي الضيق، فإن القراءة الموضوعية للموقف تكشف أن الوزير كان يتحدث انطلاقاً من معطيات مرتبطة بتفاوت الأسعار بين الأسواق والمناطق ونوعية القطيع، قبل أن يتدارك الأمر ويوضح الصورة كاملة للرأي العام. وهي خطوة تحسب له أكثر مما تُحسب عليه، لأن التراجع عن الخطأ بشفافية أقوى من الاستمرار فيه بدافع العناد السياسي.
وفي خضم هذا النقاش، لا ينبغي أن تضيع الرسالة الأهم التي حملها تصريح الوزير، والمتعلقة بوضعية القطيع الوطني واستعداد الأسواق لعيد الأضحى. فحديثه عن توفر أكثر من تسعة ملايين رأس يعكس مؤشرات وفرة مهمة، من شأنها أن تساهم في استقرار السوق وتخفيف الضغط على الأسعار خلال الأيام المقبلة، رغم الظرفية الصعبة التي يعيشها القطاع بفعل توالي سنوات الجفاف وارتفاع تكاليف الأعلاف والنقل.
إن المغاربة اليوم لا ينتظرون من مسؤوليهم العصمة من الخطأ، بقدر ما ينتظرون الصدق والشجاعة السياسية والقدرة على التواصل بوضوح واحترام. ولهذا، فإن ما قام به السيد أحمد البواري تحت قبة البرلمان لم يكن مجرد توضيح تقني حول أسعار الأضاحي، بل كان درساً سياسياً في معنى المسؤولية الأخلاقية السياسية والجرأة الأدبية. وهي خصال تحتاجها الحياة السياسية المغربية اليوم أكثر من أي وقت مضى، خاصة في القضايا المرتبطة بالقدرة الشرائية وهموم المواطنين اليومية.
ومنذ أن حظي السيد أحمد البواري بالثقة المولوية السامية من طرف جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، برزت إرادة واضحة في مواصلة تنزيل الأوراش الكبرى المرتبطة بتأهيل القطاع الفلاحي وتعزيز الأمن الغذائي الوطني، رغم الإكراهات المناخية والاقتصادية الصعبة التي تعرفها المملكة. فقد أبان الوزير، منذ توليه المسؤولية، عن حضور ميداني متواصل وحرص كبير على تتبع أوضاع الفلاحين والكسابة، إلى جانب مواصلة تنزيل برامج الدعم والمواكبة وتدبير تحديات الجفاف وارتفاع كلفة الإنتاج بروح المسؤولية والواقعية والوطنية الصادقة .
كما أن المرحلة الحالية تفرض على الجميع الإنصاف والاعتراف بحجم الجهود المبذولة للحفاظ على توازن الأسواق وضمان استقرار تموينها، في ظرفية دولية معقدة تتداخل فيها الأزمات المناخية والاقتصادية. لذلك، فإن تقييم المسؤولين ينبغي أن يتم بمنطق الموضوعية والإنجازات الميدانية، لا بمنطق الحملات الظرفية أو الأحكام المتسرعة. ويبقى الأكيد أن السيد البواري يقدم نموذجاً لمسؤول اختار العمل الهادئ والقرب من انشغالات الفلاحين لجميع جهات المملكة، واضعاً نصب عينيه خدمة القطاع الفلاحي وتنفيذ التوجيهات الملكية السامية الرامية إلى تحقيق التنمية والاستقرار وحماية القدرة الشرائية للمغاربة .





