BELADINEWS.MA
– بقلم الأستاذ محمد بلماحي –
مرّ مئتان وخمسون (250) عامًا منذ أن أقدمت المملكة المغربية، الدولة العريقة الضاربة في عمق التاريخ، والمتمسكة بسيادتها، والمسترشدة برؤية مبكرة للنظام الدولي، على الاعتراف بدولة كانت آنذاك في طور التشكل. ففي سنة 1777، أصبح المغرب أول دولة في العالم تعترف رسميًا بالولايات المتحدة الأمريكية، مسجّلًا اسمه في الصفحة الأولى من تاريخ الدبلوماسية الحديثة.
ولم يكن هذا الاعتراف فعلًا نظريًا أو قرارًا بعيدًا عن الواقع، بل تجسّد فعليًا في مدينة مكناس، العاصمة الإمبراطورية وموئل السلطة الشريفة، حيث تم التوقيع سنة 1786 على معاهدة الصداقة المغربية-الأمريكية، التي تُعد أقدم معاهدة دبلوماسية لا تزال سارية المفعول في تاريخ الولايات المتحدة. وهكذا تحوّلت مكناس إلى أكثر من مجرد مدينة؛ أصبحت مسرحًا لحدث تأسيسي، والمكان الذي حوّل فيه المغرب حدسًا سياسيًا إلى تحالف دائم، قائم على الاعتراف المتبادل، واحترام السيادة، وحرية الشعوب.
هذا القرار الرؤيوي، الذي اتُّخذ في عهد السلطان محمد الثالث، كشف مبكرًا عن سمة ثابتة في الدبلوماسية المغربية: القدرة على قراءة التاريخ قبل أن يُكتب. ففي الوقت الذي تردّد فيه الآخرون، اختار المغرب الوضوح. وحيث ساد الغموض، ثبّت مبدأ. وبعد مرور قرنين ونصف، لا تزال آثار هذا القرار حاضرة، جاعلةً من العلاقة المغربية-الأمريكية واحدة من أقدم وأمتن وأكثر العلاقات احترامًا في المشهد الدبلوماسي الدولي.
وفي ظل القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وجد هذا الإرث التاريخي تعبيرًا متجددًا ومتجهًا بثبات نحو المستقبل. فقد عمل جلالة الملك على ترسيخ هذه العلاقة العريقة، والارتقاء بها إلى مستوى شراكة استراتيجية شاملة، تقوم على الثقة، والاستقرار الإقليمي، والتعاون الأمني، والتنمية الاقتصادية، وحوار الثقافات. إن هذا الامتداد الملكي المتواصل، النادر في عالم سريع التقلب، يمنح الدبلوماسية المغربية عمقًا ومصداقية متميزتين.
وتحمل هذه الصداقة التاريخية اليوم بكفاءة وحكمة، تحت إشراف معالي وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، السيد ناصر بوريطة، وبدعم من طاقمه الدبلوماسي، وعلى رأسهم السيد يوسف العمراني، سفير المملكة المغربية لدى واشنطن. فمن خلال عمله الدؤوب، وفهمه العميق للتوازنات الجيوسياسية، والتزامه الشخصي بتقريب وجهات النظر بين البلدين، يجسد السفير دبلوماسية مغربية حديثة، فاعلة، ومتشبثة بجذورها. إنه يُحيي يوميًا، في قلب واشنطن، روح مكناس: روح الحوار، والاحترام، والرؤية بعيدة المدى.
إن تخليد الذكرى الـ250 للاعتراف الأمريكي من قبل المغرب هو أيضًا تكريم لمدينة مكناس، المدينة الإمبراطورية ومهد العلاقة الدبلوماسية الفريدة بين البلدين. وهو تذكير بأن بين جدرانها وُلد ميثاق بين أمتين فرّق بينهما المحيط، لكن جمعتهما قناعة مشتركة بالحرية والسيادة.
وفي زمن تتصدع فيه التحالفات، تظل العلاقة المغربية-الأمريكية شاهدًا على حقيقة راسخة: الشراكات القائمة على الرؤية، والوفاء، والاستمرارية قادرة على عبور الزمن. وتلك التي وُلدت في مكناس قبل مئتين وخمسين عامًا، لا تزال تنير الحاضر وتلهم المستقبل.





