متابعة للشأن المحلي بمكناس محسن الأكرمين.
قد يكون برنامج ثمين المدينة العتيقة لمكناس (الأول)، من بين أهم البرامج الإحيائية/ التنموية التي عرفتها المدينة السلطانية على إطلاق التاريخ الحديث، وذلك من جوانب إعادة قسط (ولو بحده الأدنى) من القيمة المعيارية لأنصبة المدينة الوفيرة في مجال التراث العمراني (المادي)، وغيره من التراث (اللامادي) والذي بالطبع يشكل الخلفية المستنيرة والعميقة لكل تجليات المدينة العتيقة بجماليتها وحرفها وأنشطتها التقليدية، ولسانها الذي يخفف من (الشين) لتصبح حرف (سين).
نهضة مدينة مكناس يجب أن تكون حتما كلية وبالمكانة الريادية. يجب أن تتم وفق مقاربة شمولية لا تجزيئية (تباعد أقطاب التنمية بالمدينة). يقظة مكناس الذاتية وبالتمييز الإيجابي من مركز الدولة، يجب تجعل من الإنسان عنصر التميز والتفرد، وتقلل من كل فجوات التباين والتمايز بين أحياء المدينة ومرجعياتها التاريخية والحديثة.
فالتحدي الأكبر بمدينة مكناس، يتمثل في المصاحبة بين إعادة الاعتبار للعمران (التاريخي والحديث)، وكذا في خدمة الإنسان والبيئة والمكان. نعم، ننتظر جدوى إجرائية تُخلق بالتخطيط لتنمية عادلة واجتماعية، وتصنع الكرامة للأحياء وحتى الأموات منهم (حفظ الذاكرة). تنمية مكناس لا تقتضي بتاتا الارتكان إلى التاريخ وتمجيده بالشكل التجيدي، وبوصفه (الذهبي)، بل لا بد من تنمية توافقية تصنع الحاضر الذكي، وترى في المستقبل الحلول الأكيد بالتطوير والإنماء والتمكين.
برنامج تثمين المدينة العتيقة لمكناس، رغم (المآخذ) الإجمالية ما ظهر منها وما خفي، فقد بقي أمام أعين الجميع من بين أهم البوابات الكبرى للإحياء والتوظيف الأمثل لتراث المدينة، كقيمة ثقافية راقية تنافسية. فإذا كان البرنامج (54أو 57 موقعا) لم يستوف معالم المدينة برمتها العمرانية، وقيمتها التاريخية بالإحاطة، فإننا في مطالبنا ننظر البرنامج التكميلي (الثاني) من عمليات التثمين، والتي يمكن أن يكون أشمل وأعم، وأكثر دقة وجودة وحيطة في التعامل مع الموروث التاريخي للمدينة.
قد تكون لدينا باختلاف التتبع وزوايا الرؤية رأي مغاير أو متفق عليه بنسب التفاوت في ملمح مخرجات برنامج تثمين المدينة العتيقة لمكناس، ولكني اليوم أرى أن يضم البرنامج التكميلي لعمليات التثمين والتحصين والتوظيف، مجموعة من زوايا المدينة والأضرحة. مجموعة من المعالم العمرانية ذات الرونق التاريخي الأصيل في البناء والهندسة، خاصة ما يتواجد منها في المقابر (القديمة) الكبرى. إنها مدافن عمرانية قديمة، وعدة أسوار (السلوقيات) كانت ترفع المياه نحو أماكن أعلى لازالت تحت رحمة النسيان والإهمال والاندثار.
في زيارتي غير المنتظرة للمقبرة الكبرى اليوم، بين ضريح الشيخ الكامل والأقواس الثلاثة (ثلث فحول)، وقفت باليأس والتأسي عمَّا آلت إليه بعض القبب التي بنيت تيمنا على صلحاء مدينة مكناس( أولياه الله الصالحين). توقفت عند الخراب وأكوام (المخلفات) و (الشماكرية) يعيثون بها فسادا ماديا وأخلاقيا… وقفت بأن التأسي بات يُنادينا جميعا، متى سيتم تنزيل البرنامج التكميلي بمدينة مكناس؟ متى ستوازي أفكارنا ومطالبنا تواجد سمع طيع للمسؤولين، ويبحثون بحق عن وحدة المدينة التاريخية، وتنمية مكناس بالطريقة التشاركية لا الفردانية في القرارات والاختيارات.