ثقافة و فن

من أعلام الإسلام.. أبو الوليد الباجي الأندلسي الفقيه الذي أفتى بقتال ملوك الطوائف

 

أبو الوليد الباجي الأندلسي
 أبو الوليد الباجي الأندلسي

الإمام العلامة، الحافظ، ذو الفنون، القاضي أبو الوليد الباجي، [ ص: 536 ] سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي، الأندلسي، القرطبي، الباجي، الذهبي، صاحب التصانيف.

نسب أبو الوليد الباجي ومولده

أصله من مدينة بطليوس فتحول جده إلى باجة – بليدة بقرب إشبيلية – فنسب إليها، وما هو من باجة المدينة التي بإفريقية التي ينسب إليها الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن علي الباجي، وابنه الحافظ الأوحد أبو عمر أحمد بن عبد الله بن الباجي، وهما من علماء الأندلس أيضا.

ولد أبو الوليد الباجي في سنة سنة 403ﻫ = 1012م، وأخذ عن: يونس بن مغيث، ومكي بن أبي طالب، ومحمد بن إسماعيل، وأبي بكر محمد بن الحسن بن عبد الوارث.

نشأة أبو الوليد الباجي وعلمه

ينتسب أبو الوليد الباجي إلى أسرة ذات علم وتقوى، حيث كان والده من أهل العفة والصلاح، كثير التعبد، محبًّا للعلم، كما كانت فقيهة مشهود له بالعلم والفطنة، وفي كنف هذه البيئة العلمية، أخذ أبو الوليد الباجي تعليمه في سن مبكرة جدًا، وبحرص شديد في طلب العلم تبحُّر في أنواع المعارف المختلفة ونبغ في فنون متعددة، فأخذ علوم اللغة والنحو وبرع في القرآن والحديث وعلومهما، والفقه وأصوله، وعلم الكلام، كما اهتم في دراسته بالأدب وفنونه، وقد أخذ كل هذا عن عدد كبير من علماء زمانه في الأقطار الإسلامية المختلفة حيث رحل إلى الحجاز فمكث ثلاثة أعوام، وأقام ببغداد ثلاثة أعوام، وبالموصل عامًا، وفي دمشق وحلب مدة، وعاد إلى الأندلس، فولي القضاء في بعض أنحائها.مقالات ذات صلة

منزلة أبو الوليد الباجي بين علماء عصره

يُعدُّ أبو الوليد الباجي من أقطاب المعرفة، وفحول العلماء، فكان مثالًا جليًّا للحركة العلمية المزدهرة في عصره، وقد أجمع أهل عصره على جلال قدره علمًا وفضلًا وخُلُقًا، ومن ذلك ما قاله الفتح بن خاقان: ” بدر العلوم اللائح، وقطرها الغادي الرائح، وثبيرها الذي لا يزحم، ومنيرها الذي ينجلي به ليلها الأسحم، كان أمام الأندلس الذي تقتبس أنواره، وتنتجع أتجاده وأغواره”.

وفي «وفيات الأعيان» قال ابن خلكان: «… كان من علماء الأندلس وحُفَّاظها»، كما يصفه القاضي عياض بقوله: “كان أبو الوليد رحمه الله، فقيهاً نظّاراً محققاً راوية محدثاً، يفهم صيغة الحديث ورجاله، متكلماً أصولياً فصيحاً شاعراً مطبوعاً، حسن التأليف، متقن المعارف. له في هذه الأنواع تصانيف مشهورة جليلة، ولكن أبلغ ما كان فيها في الفقه وإتقانه، على طريق النظّار من البغداديين وحذّاق القرويين والقيام بالمعنى والتأويل، وكان وقوراً بهياً مهيباً جيد القريحة حسن الشارة”، كما قال ابن بسام: “نشأ أبو الوليد هذا وهمته في العلم تأخذ بأعنان السماء ومكانه من النثر والنظم يسامي مناط الجوزاء، وبدأ في الأدب فبرز في ميادينه، واستظهر أكثر دواوينه، وحمل لواء منثوره وموزونه، وجعل الشعر بضاعته فوصل له الأسباب بالأسباب، ونال به مأكل القحم الرغاب، حتى جن الإحسان بذكره، وغنى الزمان بغرائب شعره”.

ماذا تعني كلمة الأندلس
غرناطة

مؤلفات أبو الوليد الباجي

قال: وقد صنف كتابا كبيرا جامعا، بلغ فيه الغاية، سماه “الاستيفاء”، وله كتاب “الإيماء في الفقه” خمس مجلدات، وكتاب “السراج في الخلاف” لم يتم، و “مختصر المختصر في مسائل المدونة” ،وله كتاب في اختلاف الموطأت، وكتاب في الجرح [ ص: 539 ] والتعديل، وكتاب” التسديد إلى معرفة التوحيد”، وكتاب “الإشارة في أصول الفقه”، وكتاب “إحكام الفصول في أحكام الأصول”، وكتاب “الحدود”، وكتاب “شرح المنهاج”، وكتاب “سنن الصالحين وسنن العابدين”، وكتاب ” سبل المهتدين ” ، وكتاب “فرق الفقهاء”، وكتاب “التفسير” لم يتمه، وكتاب “سنن المنهاج وترتيب الحجاج”.

قال الأمير أبو نصر: أما الباجي ذو الوزارتين ففقيه متكلم، أديب شاعر، سمع بالعراق، ودرس الكلام، وصنف. . . إلى أن قال: وكان جليلا رفيع القدر والخطر،قبره بالمرية.

وقال القاضي أبو علي الصدفي: ما رأيت مثل أبي الوليد الباجي، وما رأيت أحدا على سمته وهيئته وتوقير مجلسه. ولما كنت ببغداد قدم ولده أبو القاسم أحمد، فسرت معه إلى شيخنا قاضي القضاة الشامي ، فقلت له: أدام الله عزك، هذا ابن شيخ الأندلس. فقال: لعله ابن الباجي؟ قلت: نعم. فأقبل عليه.

قال القاضي عياض: كثرت القالة في أبي الوليد لمداخلته للرؤساء، وولي قضاء أماكن تصغر عن قدره كأوريولة، فكان يبعث إليها خلفاءه، وربما أتاها المرة ونحوها، وكان في أول أمره مقلا حتى احتاج في سفره إلى القصد بشعره ، وإيجار نفسه مدة مقامه ببغداد فيما سمعته، [ ص: 540 ] مستفيضا لحراسة درب، وقد جمع ولده شعره، وكان ابتدأ بكتاب “الاستيفاء” في الفقه، لم يضع منه سوى كتاب الطهارة في مجلدات.

قال لي: ولما قدم من الرحلة إلى الأندلس وجد لكلام ابن حزم طلاوة، إلا أنه كان خارجا عن المذهب، ولم يكن بالأندلس من يشتغل بعلمه، فقصرت ألسنة الفقهاء عن مجادلته وكلامه، واتبعه على رأيه جماعة من أهل الجهل، وحل بجزيرة ميورقة، فرأس فيها، واتبعه أهلها، فلما قدم أبو الوليد الباجي; كلموه في ذلك، فدخل إلى ابن حزم، وناظره، وشهر باطله.

وله معه مجالس كثيرة، قال: ولما تكلم أبو الوليد الباجي في حديث الكتابة يوم الحديبية الذي في “صحيح” البخاري. قال بظاهر لفظه، فأنكر عليه الفقيه أبو بكر بن الصائغ، وكفره بإجازته الكتب على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – النبي الأمي، وأنه تكذيب للقرآن، فتكلم في ذلك من لم يفهم الكلام، حتى أطلقوا عليه الفتنة، وقبحوا عند العامة ما أتى به، وتكلم به خطباؤهم في الجمع، وقال شاعرهم:
برئت ممن شرى دنيا بآخرة وقال: إن رسول الله قد كتبا

فصنف القاضي أبو الوليد الباجي رسالة بين فيها أن ذلك غير قادح في المعجزة، فرجع بها جماعة.

قلت: يجوز على النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يكتب اسمه ليس إلا، ولا يخرج بذلك عن كونه أميا، وما من كتب اسمه من الأمراء والولاة إدمانا للعلامة يعد كاتبا، فالحكم للغالب لا لما ندر، وقد قال عليه السلام: إنا أمة [ ص: 541 ] أمية لا نكتب ولا نحسب أي لأن أكثرهم كذلك، وقد كان فيهم الكتبة قليلا. وقال – تعالى – : هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم فقوله – عليه السلام – : لا نحسب حق، ومع هذا فكان يعرف السنين والحساب، وقسم الفيء، وقسمة المواريث بالحساب العربي الفطري لا بحساب القبط ولا الجبر والمقابلة، بأبي هو ونفسي – صلى الله عليه وسلم – وقد كان سيد الأذكياء، ويبعد في العادة أن الذكي يملي الوحي وكتب الملوك وغير ذلك على كتابه.

ويرى اسمه الشريف في خاتمه، ولا يعرف هيئة ذلك مع الطول، ولا يخرج بذلك عن أميته، وبعض العلماء عد ما كتبه يوم الحديبية من معجزاته، لكونه لا يعرف الكتابة وكتب، فإن قيل: لا يجوز عليه أن يكتب، فلو كتب; لارتاب مبطل، ولقال: كان يحسن الخط، ونظر في كتب الأولين. قلنا: ما كتب خطا كثيرا حتى يرتاب به المبطلون، بل قد يقال: لو قال مع طول مدة كتابة الكتاب بين يديه: لا أعرف أن أكتب اسمي الذي في خاتمي، لارتاب المبطلون أيضا، ولقالوا: هو غاية في الذكاء، فكيف لا يعرف ذلك؟ بل عرفه، وقال: لا أعرف. فكان يكون ارتيابهم أكثر وأبلغ في إنكاره – والله أعلم.

وأما الحافظ أبو القاسم بن عساكر، فذكر أن أبا الوليد قال: كان أبي من باجة القيروان، تاجرا يختلف إلى الأندلس. [ ص: 542 ]

قلت : فعلى هذا هو وأبو عمر بن الباجي وأله كلهم من باجة القيروان – فالله أعلم .

ومن نظم أبي الوليد:
إذا كنت أعلم علما يقينا بأن جميع حياتي كساعه
فلم لا أكون ضنينا بها وأجعلها في صلاح وطاعه

أخبرنا ابن سلامة كتابة، عن القاسم بن علي بن الحسن، أخبرنا أبي، أخبرنا رزين بن معاوية بمكة، أخبرنا الفقيه علي بن عبد الله الصقلي بمكة، حدثنا أبو الوليد القاضي، حدثنا يونس بن عبد الله القرطبي ، حدثنا يحيى بن عبد الله، عن أبيه، عن يحيى بن يحيى، حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة، وصلى بها.

كذا رواه ابن عساكر.

أنبأنا ابن علان وجماعة، عن أبي طاهر الخشوعي، عن أبي بكر [ ص: 543 ] محمد بن الوليد الفهري ( ح ) وأخبرنا عبد المؤمن بن خلف الحافظ، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الوهاب الزهري، أخبرنا جدي أبو الطاهر بن عوف، أخبرنا محمد بن الوليد الفهري، أخبرنا أبو الوليد سليمان بن خلف، أخبرنا يونس بن عبد الله مناولة، أخبرنا أبو عيسى يحيى بن عبد الله الليثي، أخبرنا عم أبي عبيد الله بن يحيى بن يحيى، أخبرنا أبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: إن الذي تفوته صلاة العصر، كأنما وتر أهله وماله.

وسمعته عاليا من أحمد بن هبة الله، عن المؤيد بن محمد، أخبرنا هبة الله بن سهل، أخبرنا سعيد بن محمد، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، حدثنا مالك بهذا.

وسمعناه في جزء أبي الجهم من حديث الليث، عن نافع. [ ص: 544 ]

قال أبو علي بن سكرة: مات أبو الوليد الباجي بالمرية في تاسع عشر رجب سنة أربع وسبعين وأربعمائة فعمره إحدى وسبعون سنة سوى أشهر، فإن مولده في ذي الحجة من سنة ثلاث وأربعمائة.

ومات معه في العام مسند العراق أبو القاسم علي بن أحمد بن البسري البندار وشيخ المالكية بسبتة أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن العجوز الكتامي ومحدث نيسابور أبو بكر محمد بن يحيى بن إبراهيم بن محمد بن المزكي ومعمر بغداد أبو بكر أحمد بن هبة الله بن صدقة الدباس. وكان يذكر أن أصوله على أبي الحسين بن سمعون والمخلص ذهبت في النهب.

أخبرنا محمد بن عبد الكريم المقرئ، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد سنة خمس وثلاثين، أخبرنا أبو الطاهر إسماعيل بن مكي الزهري قراءة عليه سنة 572، أخبرنا أبو بكر الفهري، أخبرنا أبو الوليد الباجي، أخبرنا يونس بن عبد الله القاضي، أخبرنا أبو عيسى يحي بن عبد الله، عن عم أبيه عبيد الله [ بن ] يحيى بن يحي، عن أبيه، عن مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن أنس أنه سمعه يقول: كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، ولا بالأبيض [ ص: 545 ] الأمهق ولا بالأدم، ولا بالجعد القطط ولا بالسبط، بعثه الله على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين، وتوفاه الله على رأس ستين سنة، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء – صلى الله عليه وسلم -.

المصدر: كتاب《سير أعلام النبلاء》الطبقة الخامسة والعشرون » أبو الوليد الباجي / إسبانيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة عشر + ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار