أقلام حرة

السياسات المغاربية الطريق المسدود وفرص تصحيح الأخطاء

 

تتشارك شعوب المنطقة المغاربية الكثير من القواسم الإنسانية والثقافية والاقتصادية والتاريخية، مما يجعلها أقرب للاندماج منه إلى التفرقة. إلا أن المستعمر كانت له كلمة أخرى في ترك قضايا ساخنة لم تستطع السياسات المتعاقبة بعد الاستقلال حلها، مع وجود أذيال للمستعمر التي سعت دوما لإشعال الفتن والتفرقة.
تواجه المنطقة العديد من التحديات الأمنية والاقتصادية في عالم يتكل كل يوم ويعرف ميلاد تحالفات جديدة، نقط التلاقي بين الشعوب كان يجب أن تلعب دورا أساسيا في تشكيل جسور التلاقي عوض وضع عقبات في طريق تحقيق ذلك وإجهاض كل فرص التلاقي والحوار.
بحكم وحدة الهوية والدين والتاريخ واللغة والثقافة التي تتمتع بها المنطقة المغاربية، والتي تجمع بين كل الأطياف المكونة للمجتمع المغاربي، أتساءل كما يتساءل العديد من المثقفين والمهتمين بالشأن المغاربي:
لماذا يبطؤ العمل السياسي فكرة الاندماج؟
أي دور يمكن أن تلعبه الشعوب في قضية التقارب الفعلي بينها؟
ولماذا تسكت النخب المثقفة عن قول كلمتها بخصوص الانقسامات الحاصلة الآن؟
كلها أسئلة مشروعة في جو مشحون بالتوتر بسبب سياسات عدائية لم تخدم ولن تخدم رغبة الشعوب المغاربية في تحقيق النماء والإقلاع الاقتصادي المنشود، سياسات ضيعت العديد من فرص البناء الحقيقي. في الوقت الذي كان من المفترض فيه أن تعمل الدول المغاربية سويا بعد الاستقلال لتحقيق تنمية شاملة وطموحة تستجيب لتطلعات الشعوب.

الأجوبة السياسية:

الرد على هذه الأسئلة يتطلب أجوبة سياسية، إلا أنه ومنذ قرابة السبعين سنة والسياسة تلعب دورا سلبيا في عملية التقارب بين الدول المغاربية، وهي أجوبة كافية لتبرهن عن افتقارها لمسببات الاندماج وعدم قدرتها على تحقيق هذا التقارب المنشود، اليوم يكون الفعل السياسي قد استسلم أمام الأمر الواقع، أمام تعنت عقليات بائدة، لم تتطور ولن تتطور ولا ترى إلا مصالحها الضيقة.
اليوم، الشعوب المغاربية في مفترق الطرق، إما أن تقول كلمتها وإما أن تسكن للأبد وتترك مستقبلها بين أيدي جماعات سياسية تفرق أكثر مما توحد، تبحث عن الفتنة لتستمر في الوجود، وتخلق المشاكل الخارجية لتغطي عن الإكراهات الداخلية ويتم تسويق الأزمة خارجيا.
بينما نتطلع اليوم إلى ضغط الشارع المغاربي الذي من شأنه تنسيق المواقف، للرد على هذه الأسئلة والتحديات بشكل فعال وواقعي. الإجابة عن هذه الأسئلة هي الطريق الوحيد لتأمين الاستقرار وتشجيع الاستثمارات بالمنطقة والخروج من الأزمات المفتعلة وإرساء قواعد التكامل الاقتصادي والسياسي لأن هناك قواسم وجذور تجمع الشعوب المغاربية أكثر مما يعيق وحدتها.
المغرب الكبير يملك كل مقومات الريادة إفريقيا وعربيا إذا تم استثمار كل المقومات الاقتصادية والموقع الجيوسياسي، والتكامل اليوم هو شرط تمليه الظرفية العالمية في عالم ينحو نحو التكتلات والتحالفات السياسية، إذ يجب تصحيح بعض الأخطاء ومحو مخلفات الاستعمار التي شتت شعوب المنطقة وزرعت الكثير من الفتن والصراعات المصطنعة.
يخطئ من يظن أن الشعوب المغاربية قالت كلمتها، فهي لم تفقد الأمل بعد في غد مغاربي مشرق، الشعوب المغاربية ورغم العقبات والصعاب التي تعيشها والأزمات المتنامية لا زالت تنشد الأمل والمساهمة في بناء المغرب الكبير الذي طال انتظاره. فهي تسعى اليوم بكل جهدها إلى معالجة الوضع القائم والبحث عن بديل للسياسات القائمة التي لم تفلح في شيء سوى في تفقير الشعوب وتشتيتها.

الحاجة إلى مشروع نهضوي مغاربي موحد:

أكيد حملت الثورات العربية (إذا صحت تسميتها بالثورات) العديد من الآمال في تحقيق تطلعات الشعوب التواقة إلى الحرية والديمقراطية، بعدما فشلت العديد من الأنظمة العربية ولعقود عديدة عن تحقيق أدنى مستويات التعايش الديمقراطي والعدالة الاجتماعية، وعجزت عن إدراك الدينامية الجديدة لمجاراة التغيرات المجتمعية والسياسية الكبرى. إلا أن المشاريع المطروحة بعد الخراب العربي–إن وجدت- لم تقدم أي جديد أو مشروع متكامل يحقق نهضة المجتمع أو الأمة، بل أعادت العديد من المجتمعات إلى الوراء اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا.
اليوم، جل المجتمعات عالقة في اللحظة الراهنة، لحظة التصورات ولحظة بناء الأفكار، البعض تاه في أزمات داخلية عميقة وعقيمة، عمقت جراح المجتمع وأدخلته في مرحلة الشك، والبعض الآخر يصارع الزمن بكل الإمكانات المتاحة لبناء الغد المنشود.
في رقعتنا المغاربية اليوم، لم تحض السجالات السياسية أو الثقافية بما يكفي لحل النزاعات المفتعلة، وحتى حوارات النخبة المثقفة محتشمة إلى حد كبير ولم ترق لمستوى تطلعات الشارع المغاربي. وكأن النخبة المثقفة والإعلام المغاربي يحاول الإلتهاء بجدالات صغيرة على حساب قضايا كبرى تهم مستقبل المنطقة، فالعديد منهم يتجنب طرح الأسئلة الكبرى والآنية.
وحتى خطابات المعارضة لم تعد مقلقة بالشكل المطلوب، بل انسجمت مع الخطاب العام السائد والذي صار مستهلكا بشكل كبير. وفي كلى الحالتين سواء معارضين أو مؤيدين فثمة خلل فكري خطير يجب إصلاحه وبحاجة لمناظرات فكرية وثقافية تعيد النخبة المثقفة للواجهة.

النخبة المثقفة المغاربية
لم تنشغل بعد بالقضايا المصيرية، لم تجد بعد طريقها نحو مصالحة مع الذات ومع الفكر، تاهت مع سجالات عقيمة وصغيرة تشغل الجميع،أقرب إلى مناكفات شخصية أو جماعاتية ضيقة.
بيد أنه في خضم هذا اللغو الكثير والصور القاتمة والكئيبة الآتية من هنا وهناك، سواء في المشهد السياسي أو الفكري، لا زال الأمل قائما في سواعد وأبناء هذه الرقعة الجغرافية يجسده رجال شرفاء وطنيون ولو قل عددهم.
لا زال في السياسة أخلاق رفضا للفكرة الميكيافيلية التي تبعد الأخلاق من السياسة بمنطق الغاية تبرر الوسيلة، إلا أنه لا سياسة بلا أخلاق، ولا علم بدون أخلاق ولا فكر بلا أخلاق.
فاليوم ندعو كافة المثقفين ومن المنطلق الأخلاقي والضميري، أن يفتح النقاش الموسع الذي طال انتظاره بين كل مكونات المجتمع المغاربي الذي تتعدد هوياته وروافده، وأن تكون كلمة النخبة المثقفة أقوى من قرارات السياسة التي أخطأت كثيرا في افتعال صراعات مصطنعة، وساهمت هذه الأخيرة، في تأخير التمنية الشاملة للمنطقة.
فالكلمة اليوم والقرار للنخبة المثقفة، لا غير، بعيدا عن كواليس السياسة ومتاهاتها.

بقلم عبدالله العبادي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

15 + سبعة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى