أقلام حرة

إشكالات الانتقال الديمقراطي اليوم

 

بقلم عبدالله العبادي

 

أي عمل إصلاحي اليوم يجب أن يأخذ بعين الإعتبار الخصائص المحلية والواقع العالمي المعاصر وما يفرضه من هيمنة وسيطرة ورأسمالية متوحشة، فالنظام العالمي الجديد قائم على السيطرة والمركزية وتوجيه رؤوس الأموال من أجل إنتاج وإعادة إنتاج التفاوتات الإجتماعية وخلق مجتمعات هامشية وكذا خلق نخب وطبقات في داخل المجتمع نفسه كضمان لاستمرارية الهيمنة والإستغلال الإقتصادي والاجتماعي.
وحتى المؤسسات الدولية الراعية لحقوق الإنسان والضامنة للتعايش لم تعد سوى أداة في أيدي المسيطر والغالب ووسيلة لشرعنة عنف ممنهج تقوده دول عظمى باسم نشر الحقوق والمبادئ الإنسانية، فالسؤال المطروح : كيف يمكن تحقيق دواتنا واستقلالنا عن الآخر في ظل عولمة اقتصادية متوحشة؟ وهل الإستقلال الإقتصادي وحده قادر على تحقيق نهضة حقيقية؟ أم أن التحولات والتغيرات الداخلية في المجتمع يجب أن تكون في المنحى الإيجابي؟
لا أحد ينكر ما فعله الجيل الأول ونضاله ضد المستعمر، لا أحد ينسى عمر المختار ولا الأمير عبدالقادر ولا عبدالكريم الخطابي ولا كل شهداء الوطن الكبير الذين قاوموا الإستعمار من أجل الحرية والكرامة. فقد حقق أجدادنا الجزء الأهم في تحرير الأراضي من المستعمر، إلا أن وصول النخب إلى الحكم طرح أكثر من تساءل حول المشروع الوطني للدولة ما بعد الإستعمار واتضح أن الجزء الثاني من الإستقلال لم يتحقق بعد وأن النضال من أجله لازال ساريا.
يتضح أن أحلامنا لم تتحقق بعد، فلسنا أسياد قراراتنا وتحكمنا الكثير من الجهات السياسية والإقتصادية كالبنك الدولي وصندوق النقد ونخب سياسية ومصالح عالمية استطاعت أن تسيطر على مجريات الأحداث وتسخرها لمصالحها ومصالح التحالف الصهيوني العالمي الذي يهدف إلى تحقيق حلمه وتقسيم وتشتيت العالم العربي.
فجل الدول العربية المعاصرة غير قادرة على اتخاذ قرارها الخاص دون ضغط أو إكراه فهي غير سيادية ويصعب اعتبارها مستقلة. فضعفها وعدم قدرتها على اتخاذ قرارات وعدم استطاعتها تحقيق اتحاد بينها سهل عملية السيطرة والتدخل الأجنبي.
فالعالم المعاش الآن يجعل مهمة تحقيق الإستقلال شبه معقدة في ظل الاحتكار الإيديولوجي للدول القوية وفرض لغة مصالحها وثقافتها، كما أن تحرير رؤوس الأموال يحد من قدرة الدولة على اتخاذ القرار ويهدد استقرارها وأصبح عامل الربح السبب الوحيد للغزو.
كما أن مفهوم السيادة الوطنية أصبح من الصعب تحقيقه في ظل منظمات دولية باسم حقوق الإنسان والأفراد تتدخل في تشاريع الدول وقوانينها الداخلية، وأصبحت هته المنظمات تدافع عن الإنسان وكأنها تجرده من وطنيته وأنها الساهرة على حقه وتتحمل مسؤولياته.
فالدول العربية غير قادرة اليوم على التحكم بواقعها ومستقبلها في ظل الأوضاع الحالية، فحتى المواطن الذي يمكن أن يعول عليه كضامن لاستمرارها أصبح يعيش أوضاعا بئيسة يصعب عليه تقرير مصيره.
كما أن قضية الأمن الداخلي أصبحت هاجس الدول جمعاء، وأصبحت أيضا وسيلة للتدخل في شؤون الغير تحت راية العديد من المبررات إضافة إلى وقوعها في ظلال الأخطبوط الإقتصادي والسياسي المسيطر باسم رأسمالية متوحشة أتت على الأخضر واليابس.
فما الذي يمكن تحقيقه في ظل الوضع الحالي، أي ما الذي يمكن تكهنه بالنسبة لمستقبلنا، فهل ما نعيشه اليوم ظرفا عابرا أم إعادة إنتاج استعمار جديد وعصري؟
فالشعوب العربية لم تنجح بعد في وضع نظام سياسي ناجع وبدرجة فعالية عالية تتيح للأجيال والأفراد إطلاق العنان للإبداع وهذه سمة المجتمع الديمقراطي أكيد، أي أن النظام السوي والناجع يجنب المجتمع هدر المال والطاقات والدماء من أجل صراعات فارغة، وبقدر ما يكون منتجا وخلاقا وفعالا يكون مستقلا.
إلا أن الملاحظ أن الدول العربية باستثناء القليل تعمق تبعيتها يوما بعد يوم للغرب وبنوكه ومنظماته، وتغرق في مستنقع الديون والحروب وتفقد السيطرة في التحكم في مستقبلها وتدخل أنفاقا مظلمة وعجزها الداخلي والخارجي أيضا ينذر بالكارثة.
كما أن فكرة الوحدة والتقارب العربي أصبحت تتلاشى يوما بعد يوم في ظل أنظمة تتمحور معظم السلط حول رجل واحد أو حزب واحد حتى بعد موجات الخراب العربي لم يجني المجتمع إلا تثبيت لأنظمته الإستبدادية السابقة لكن بمسميات أخرى، في حين تفرض علينا الجغرافيا واللغة والتاريخ ضرورة النظر إلى المستقبل برؤية واحدة.
أكيد أجدادنا ناضلوا من أجل استقلال الدولة وتحقق لهم بفضل تضحياتهم، لكن هل استقلت الشعوب العربية؟ الجواب أكيد لا فهي لا تزال تلعب دور المتسول على المستوى الخارجي ودور الضحية على المستوى الداخلي، فهي لم تجد طريقها بعد لبر الأمان.
فالممارسة السياسية بالوطن العربي اغتالت الديمقراطية قبل أن تولد وشوهت صورتها لغرض في نفس يعقوب، أدت هذه الممارسة إلى نفور الشباب من العمل السياسي وإشاعة فوضى المفاهيم والتفسيرات والتأويلات كما يفعل رجال الدين حين يتم استمالتهم للسياسة.
إلا أن العديد يخلط بين القوة والديمقراطية، فالعديد من الدول هي ديمقراطية لكنها ليست قوية أو متعجرفة على الطريقة الأمريكية، فالحروب والانتهاكات التي قامت بها أمريكا رسخت لدى الشباب فوضى متفاوتة في المفاهيم.
كما أنه من الخطأ التفكير في أننا كعرب يجب أن نسلك نفس الطريق الذي سلكته المجتمعات الغربية، فهذا إحساس العجزة والذين لا يرون إلا بعين واحدة والمتملقين للحياة الغربية، ففترة ما بين القرن 9 والقرن 12 خير دليل وتفسير لهته الإشكالية. صحيح الديمقراطية الغربية وقفت في وجه الفاشية والنازية وكل الأنظمة القمعية إلا أنها ليست الوصفة السحرية القابلة للتطبيق على كل المجتمعات.
صحيح أننا كعرب ومنذ القرن 12 أصبحنا خارج هذه الحركة التاريخية لأننا لم نحقق شيئا يذكر ولم نستطع مجاراة الحضارات الأخرى، فكثرت التأويلات من عدم جاهزيتنا للعملية الديمقراطية إلى عدم توافقها و تنافرها مع قيمنا الثقافية وكلها أمور تفسر شيئا واحدا فقط هو الدمار النفسي الذي ولدته الأنظمة الإستبدادية لسنين طويلة.
فإذا كانت الديمقراطية ليست قدرا محتوما لمجتمعنا العربي، فأكيد أن المجتمع لم يسعى يوما لا لتحقيقها ولا لتحقيق نظام سياسي آخر عادل وسوي. فالنظام السياسي ليس ضرورة أخلاقية محضة وإنما ضرورة تقنية داخل المجتمع تجمع بين الإنتاج المادي والمعرفي وطبيعة النظام.
فالمصيبة اليوم تكمن في أننا حاولنا استبدال الأنظمة السياسية الإستبدادية بمرجعياتها القومية والعلمانية ووو بأنظمة استبدادية دينية لم تغير شيئا من الواقع ما دام الإنسان هو نفسه فقط تغير في الأسماء لكن التصرفات الأساسية ظلت هي نفسها.
فدور المثقف العربي اليوم ليس الدفاع عن هته الإيديولوجية أو تلك، وإنما في العمل على تفسير وتنبيه أن إشكالية النظام السياسي العربي ليس في المرجعيات المعتمدة بل أن الأنظمة والبدائل مبنية على أساس وقواعد غير مجدية وغير فعالة تتعارض ومتطلبات الفرد والمجتمع العربي .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ستة + ستة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى