أقلام حرة

أزمة اليسار المأزوم والبحث عن ذاته

 

بقلم عبدالله العبادي

في نقد أزمة اليسار وفي نقد اليسار لذاته، أسئلة كثيرة ومحيرة، يذهب البعض في اتجاه نقد سلوكيات الأحزاب وتقهقر الديمقراطية التنظيمية الداخلية وأزمة القيادات، ويتناول آخرون نقدا للأخطاء العملية والمواقف السياسية، في حين يضل الفكر السياسي الحالي غير قادر على البحث عن حلول فكرية وإنتاج مشروع سياسي يساري قابل للتطبيق ويحقق آمال شريحة عريضة من المواطنين.

المشهد الحزبي اليوم يرثى له، والكثير من الأحزاب شحت قاعدتها الجماهيرية بشكل لافت وخصوصا التقدمية منها وتراجع تأثيرها في الرأي العام وفقدت بريقها وافتقرت لمشروع ورؤى وبرامج واضحة، مما فسح المجال لأحزاب رجعية أن تحصد ثمار هذا السقوط المهول لليسار.

لا يجادل اثنان في كون اليسار في المغرب يعيش أزمة وجود حقيقية ويعيش على نغمات خطابه النخبوي الطوباوي، وحتى قياداته ورموزه مالت وتحالفت مع اليمين وموجة الإسلام السياسي لتحقيق أهداف ضيقة ولتواصل وجودها على الساحة السياسية ولو بدون مشروع سياسي يساري حزبي واضح.

فيسار اليوم يتسم بالضعف والتشتت والتيه الفكري، حتى صار المفهوم نفسه غامضا، وابتعد كثيرا عن الطبقات المعوزة والمهمشين، ولم يعد يناضل من أجل مصالحها المادية والمعنوية والدفاع عن قيم الحرية والكرامة والمساواة.

 

كما أن انهيار عدة تجارب اشتراكية أدى إلى تشتت فكري تسبب في الابتعاد عن فكرة البحث عن بديل للتجارب وتطوير الفكر اليساري مما يتلاءم والظروف الآنية، خصوصا مع اختراق الفكر البورجوازي لزعامات وتنظيمات اليسار. فغاب هاجس التغيير واكتفى اليساريون بالعمل على قضايا مجتمعية ضيقة أو النضال من داخل نقابات عمالية إخلاصا لقناعاتهم الإيديولوجية.

واقع اليسار المغربي المأزوم اليوم له جذور تاريخية، فمنذ الاستقلال عرفت التنظيمات السياسية اليسارية وأجنحتها النقابية عدة انقسامات متتالية تدل على ضعف تماسكها وافتقادها لمشروع مجتمعي حقيقي، وأيضا بسبب المصالح الضيقة والصراعات التي شابت زعاماتها وأطرها. كما يرجع انحطاطها الحزبي في رأي الكثير من المثقفين، إلى عوامل أخلاقية أي فساد نخب الأحزاب لتذوقهم لطعم السلطة.

يهدف اليسار واليساريون بشكل عام إلى محاربة الاستبداد ومكافحة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية والاهتمام أكثر بالمهمشين والطبقة الشغيلة، فهل يحمل تيار اليسار الحالي مشروعا مجتمعيا يصلح به ما أفسدته أحزاب اليمين والإسلاميين؟ وهل ستدفع الظاهرة الفيروسية التي كشفت سوء تدبير كبير، اليسار إلى إعادة تأثيث البيت الداخلي والخروج بمشروع لمجتمع الغد، وإعادة تأهيل نفسه من خلال تقوية مكوناته لذاتها وبلورة خطط موحدة وواضحة ؟

الأهم اليوم، هو مواجهة الفساد السياسي الحالي بمشروع مجتمعي يساري ينتقل بالمجتمع المغربي إلى ديمقراطية حقيقة وتوزيع عادل للثروة ومجتمع المواطنة والمساواة والحريات. مشروع يؤهل المجتمع لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والحد من التبعية للخارج، وتحقيق الاستقرار والسلم والأمن الاجتماعي بتجربة ديمقراطية ناجحة.

لكن الملاحظ للمشهد السياسي الحالي يرى أن العديد من التيارات اليسارية انحرفت عن خطها التقدمي النقدي وحلم بناء المجتمع العادل ومحت الحدود الفاصلة بين اليسار واليمين وبين اليسار والإسلام السياسي في تجربة مائعة كان لها تأثير كبير على صورة اليسار والعمل النضالي التقدمي وعزوف الشباب عن العمل السياسي وفقدان الثقة بين الأحزاب والقاعدة الجماهيرية.

بعد الاحتجاجات التي عمت العديد من الأقطار العربية، أضاع اليساريون فرصة الوقوف بشكل فعلي مع المطالب الاجتماعية والاقتصادية العادلة للجماهير وتعبئتها سياسيا وثقافيا من أجل بناء المجتمع المنشود. وانزلقت الأحزاب في صراعات داخلية  وعداوات حزبية وتورطت في منطق ردود الأفعال، وابتعدت كثيرا بأن تكون صوتا للفئات المقهورة داخل المجتمع.

كلها أسباب جعلت اليسار اليوم في مأزق حقيقي بحثا عن الذات والأهداف، كما تخلى اليسار عن دوره الإشعاعي في نشر الوعي الجماهيري و تأطير العامة، وتخلى أيضا عن نضاله الفكري ضد التخلف والرجعية وتبني العديد من اليساريين لأفكار لا تمت لليسار بصلة، الشيء الذي أفرز تناقضات جمة وخلط في المفاهيم وتشويش في الرؤى.

إذا كان اليسار الاشتراكي، لدى بعض الأحزاب، قد لوث سمعته النضالية التاريخية وفكره التقدمي بالدخول في تحالفات مصلحاتية مع التيارات الرجعية، فهو يسيء بشكل أو بآخر إلى اليسار الحقيقي حتى لو دافعوا وأعطوا انطباعا بإمكانية التلاقي على مشتركات من أجل المصلحة العامة فهي في النهاية مجرد غطاء وذريعة لتحقيق أهداف شخصية وحزبية ضيقة.

على الرغم من تاريخه النضالي الطويل وارتباط رموزه وقياداته  بقضايا التحرر والتنوير الفكري والنضال المجتمعي لإقامة مجتمع عادل والانتصار لطبقة العمال والكادحين، إلا أن اليسار لم يتدرج في مسار مستقل وبشكل متماسك في اتجاه الصعود والتطوير وصولا لبناء كيان صلب مستقل يوازي ما حصل لدى كيانات وتنظيمات إيديولوجية أخرى.

يظل اليسار مع ذلك، رغم تناقضات تنظيماته، وبفضل فصائله المناضلة قوة فعالة في المشهد السياسي المغربي من خلال حضوره الفعال في قطاعات عدة نقابية وطلابية وثقافية. ويتمتع اليسار اليوم بفرصة غير مسبوقة لتقديم برنامج مجتمعي حقيقي للجماهير في ظل إخفاقات الإسلاميين والمتحالفين معهم.

الفرصة مواتية أيضا ليتجاوز اليسار أزمته الحالية التي يعيشها على المستويين الخطابي والممارسة، فمن الناحية التواصلية فهو مطالب اليوم بتقديم نفسه بديلا لقوى اليمين والرجعية بعيدا عن الغرق في المثالية بالنزول إلى الشارع وواقع الناس وهموم المواطن، مطالب أيضا بالتواصل مع الجيل الجديد من الشباب الذي سئم الشعارات الكلاسيكية الفضفاضة.

خاض اليسار أيضا جدالات وتورط في نقاشات مجتمعية تافهة مهملا الأساس الحقيقي الذي تؤمن به قوى اليسار الفعلي أي المشاكل الاجتماعية ونقاشات قضايا التنمية والتصدي لمخططات الهشاشة الاقتصادية وتأزم الواقع العمالي والفوارق الطبقية.

عانى اليسار والحركة التقدمية عموما من الفراغ الرؤيوي وكف عن تقديم البدائل لكسب مساندة الجماهير، وافتقد لمشروع اجتماعي- اقتصادي- ثقافي- سياسي يتميز به اليسار كما كان قبل ثلاثين سنة، حين فتح آفاقا جديدة وآمالا حقيقية في التعبئة والبناء الحقيقي لمجتمع عادل إلا أن اليسار ابتعد عن القاعدة الجماهيرية  حتى تضاءلت الفروق بين اليسار واليمين والإسلاميين لولا بعض القيادات والمناضلين وبعض الأحزاب القليلة التي تناضل من أجل مبادئ آمنت بها.

عودة اليسار وبقوة إلى المشهد السياسي المغربي رهين بالمشروع البديل الذي يمكن طرحه، أي كيف يستعيد اليسار يساريته وفاء للمضمون الاجتماعي الذي يناضل من أجله، العودة إذن رهينة بمدى قراءة اليسار المغربي للتحولات السياسية الحالية والتفكير الجدي في التحالفات الممكنة، وأيضا مدى التحام الحزب اليساري مع الجماهير الشعبية بعيدا عن الطوباوية وبعيدا عن اليسار الانتهازي بالمفهوم الماركسي للكلمة.

حزب جبهة القوى الديمقراطية ، وكحزب يساري، يؤمن بدور الفكر اليساري في بناء المجتمع المأمول وأن المشروع المجتمعي لأحزاب اليسار هو الحل للتخفيف من المعاناة الاجتماعية الناجمة عن السياسات العمومية اللاشعبية في أبشع صورها النيوليبرالية المتوحشة.

ويحمل الحزب تصورا للنموذج التنموي المأمول مبني على فهم الخصوصية المغربية، وبأن بناء هذا النموذج وفق قيم اليسار مرتبط بإصلاح الخلايا الأساسية للمجتمع وفي مقدمتها الأسرة والمدرسة والمقاولة مع التركيز على إصلاح الدولة.

كما أن تصور الحزب للنموذج التنموي يتوخى تحقيق تعاقد اجتماعي جديد قادر على ضمان العدالة الاجتماعية والكرامة للمواطن، مبرزا أن مهام إنجاز هذا النموذج من الضروري  أن تعتمد على مقاربة ديمقراطية وإدماجية من صنع محلي ترتكز على حقوق الإنسان وعلى قيم المساواة والتضامن وعلى مقاربة النوع والتشاركية والمجالية والحكامة. مما يجعل تصور الجبهة للنموذج  التنموي المنشود يرتبط في حده الأدنى بتنفيذ أوراش دستور 2011 الذي توافق حوله المغاربة بشكل واسع.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

12 + 15 =

زر الذهاب إلى الأعلى