المرأة ” الانتلجنسية ” و التمكين السياسي بالمغرب


” إن عقل المرأة إذا ذبل و مات فقد ذبل عقل الأمة و مات ” / ( توفيق الحكيم )

” خبز و ورود ” ، ليس عنوان رواية عاطفية أو فيلم رومنسي ، بل هو شعار صدحت به صرخات آلاف العاملات الأمريكيات ،إبان مظاهرات حاشدة جابت شوارع نيويورك يوم 8 مارس 1908، حاملات كسرات خبز و باقات ورود ، ضمن معركة حامية الوطيس ضد رأسمالية التمييز الجنسي ، و مطالبات بتحسين ظروف عيشهن خصوصا ، و بتكريس حقهن في العدالة الاجتماعية عموماً .
و هذا هو شأن جل النسويات اللواتي حرصن على ممارسة النضال كحق في الوجود البشري ،
أعقبته – بوتيرة كرونولوجية – حقوق أخرى ذات مشارب فكرية متنوعة، تتراوح بين الليبرالية و الماركسية و الراديكالية ، و التي تغيرت ملامحها ،حسب المناخ الفكري و الثقافي و التاريخي و السياسي للمجتمعات ، متوجهة ، بذلك ، من الطابع الماكروسوسيولوجي إلى الطابع الميكروسوسيولوجي ، أي من مساءلة مرتكزات العلاقة بين الجنسين إلى المناداة باستعادة المرأة لجسدها وإقامة “مجتمعات صفرية”، تنديدا بمبدأي المماثلة و الاختلاف ،و اعترافا بمبدأ الهوية الأنثوية طِبقا للمقولة الشهيرة ل ” سيمون دي بوفوار Simone de Beauvoir ” : “لا تولد المرأة امرأة … و إنما تصبح كذلك “.
نفهم من هذا السياق ، أن دينامية الحركات النضالية النسوية الرامية إلى تأهيل النخب النسائية و تقوية قدراتها الاجتماعية ، بدءا من أوربا خلال عصر النهضة ، إلى أمريكا ، منتقلة إلى المجتمع العربي الذي لم يتوقف عند استيراد المبادئ و الأفكار الغربية ، بل ناصَرَ بناء فكر و فلسفة ذات خصوصية و طابع ديني و ثقافي و سياسي، تحول من حق مركزي ، إلى حقوق تابعة حاولت المرأة من خلال المطالبة بها الحصول على نفس الرساميل المادية و الرمزية التي كانت حكرا على الرجل ، و أبرزها “الحق في التعلم” الذي لاحظت ( حسب اعتقادها ) أنه من أسباب دونية قيمتها الاجتماعية ، و بالنتيجة ، عدم اقتصارها على الدور الإنجابي فقط ،بل تعدته إلى دور إنتاجي و اجتماعي انبثق عنه بروز الجندر كركيزة أساسية لتحقيق التنمية ، و هذا أيضا ، ما نادت به الحركات النسوية بالمغرب حيث قسمتها الباحثة المغربية زكية داوود في كتابها ” Féminisme et politique au Maghreb ” سنة 1993 إلى ثلاث مراحل :
• مرحلة التطور المكبوح ؛
• مرحلة إعلان حالات الاستثناء في أواسط الثمانينات ؛
• مرحلة انفجار القدرات ابتداء من سنة 1985 .
لقد أبان التشريح السوسيولوجي للمراحل الانتقالية سالفة الذكر، على أن كل هذه التبدلات ستؤدي ،في القرن 20، إلى تبني حكومة التناوب ، بإيعاز من البنك الدولي ،خطة وطنية لإدماج المرأة في التنمية أفضت إلى انشطار المجتمع المغربي ما بين مؤيد و معارض :المشروع الأصولي الذي يمثله الاتجاه الديني من ناحية ، و الجمعيات النسائية و الأحزاب السياسية المدافعة عن الخطة كمشروع حداثي دمقراطي من ناحية أخرى .
و إلى جانب ذلك ، استخدمت الحكومة المغربية “آليات إصلاحية” لتمكين المرأة في كل المجالات خصوصا السياسية ، باتخاذ حزمة إجراءات هدفها إعادة صياغة بنود مدونة الانتخابات، و مهدت السبيل، بموجب ميثاق شرف مع الأحزاب السياسية، نحو تحديد حصة للنساء من خلال اللائحة الوطنية واللائحة الإضافية ( الكوطا) .
نحن بصدد محاولة تقعيد سؤال قضية المرأة و لاسيما المرأة المثقفة و تمكينها سياسيا ، كظاهرة اجتماعية خاضعة للتطور عبر الزمن و المكان ، مما يستوجب مقاربتها بحذر ابستمولوجي يراعي خصوصية مجتمع تسوده علاقات المعنى ، و الانغراس في تخوم السياسات العامة من خلال طرح أسئلة حارقة منها :

  • هل مجرد المصادقة على الاتفاقيات و المعاهدات الدولية كفيل بتحقيق مبدأ المناصفة وضمان التمكين السياسي للمرأة المغربية ؟
  • هل مشاركة النساء في صنع القرار واقع أم هن مجرد نخبة استعراضية لتأثيث الفضاء العام؟
  • هل مقاربة النوع تساهم في “الريع السياسي” أم هي محاولة لضخ دماء جديدة في جسم ثقافي مغربي يلتقط أنفاسه سياسيا ؟
    من المفترض أن النخبة المغربية المثقفة هي التي تقود المجتمع نحو الحداثة والديمقراطية ، مستشرفة معالم مغرب الغد ، إذ تتموقع في طليعة المدافعين عن حرية الرأي والتعبير، وتحقيق الحماية الاجتماعية. إن الانتماء إلى “الانتلجنسيا INTELLIGENTSIA” )النخبة المثقفة ) لم يمثل يوماً امتيازاً تُرفع له القبعات ، و لم يكن فقط مرتهنا بزخم هام من الأدبيات كرصيد ثقافي و معرفي ، بقدر ما هو خاضع لأسس ابستيمولوجية تُقَنِّنُ التمثيلية السياسية و إجرائيتها و نجاعتها ، وفق دينامية المجتمع المغربي و واقعه السوسيولوجي كحقل معرفي زاخر بإيديولوجيات صارخة تُعَظِّمُ التراتبيات الاجتماعية و التشكيلات الاقتصادية ، انطلاقا من مرحلة التأصيل و وصولا إلى مرحلة الإبداع .
    لعلنا نتفق على أن إيقاظ الحافز التحرري الأنثوي في ذاكرة المجتمعات ليس وليد اللحظة ، بل له أصل متجذر في ذاكرة حضارية ، يغيب عن وعيها – من حين لآخر – إنجازات نساء رائدات مارقات عن النواميس الذكورية ، ف”شجرة الدر” تقلدت منصب المسؤولية في فترة المرض العصية التي عانى منها السلطان الأيوبي خلال الحروب الصليبية ، الأميرة “خانزاد” حكمت إمارة “سوزان” الكردية لسنوات ، الملكة الآشورية “سميراميس” اعتلت عرش “نينوى” عاصمة بلاد النهرين و “بلقيس” التي كانت مصدر فخر و اعتزاز لليمنيين …
    في واقع الأمر ، التمكين السياسي للمرأة المغربية ، خصوصا المثقفة ، لا زال يثير نقاشا مستفيضا حول عقلنة الأحداث السياسية و دراسة خلفياتها مع نفض الغبار عن مآلاتها على المدى القريب و البعيد .
  • فإلى أي حد “المرأة الانتلجنسية” المسنودة بفكر نخبوي من شأنه إعادة صياغة الثالوث المقدس ” الدين و الجنس و السياسة ” ، قادرة على تغيير وجهة نظر سائدة في معظم الاتجاهات السياسية المغربية ؟
  • و هل يمكن الانعتاق ،بعيدا عن سطوة المفاهيم التقليدية، من الطابع السلطوي القمعي لحضور تاء التأنيث في العناوين الوطنية البارزة ؟ الأستاذة رجاء قيباش / كاتبة / باحثة في علم الاجتماع / إعلامية / كوتش أسري و تربوي و مدربة معتمدة في التنمية ذاتية / المغرب .